
في عالم باتت فيه حياتنا متشابكة مع التكنولوجيا، تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى عنصر أساسي في تواصلنا وعملنا وصوتنا العام. لكن، ومع كل هذا التقدّم، تواجه المرأة خطرًا متزايدًا يتمثل في العنف الرقمي الذي بات ينزع الأمان من العالم الافتراضي، ويحوّله من مساحة للتمكين إلى ساحة يختبئ وراءها المتحرشون والمبتزون دون رادع.
ما هو العنف الرقمي ضد المرأة؟
العنف الرقمي هو انتهاك للأمان والكرامة باستخدام التكنولوجيا، ويأخذ أشكالًا متعددة من أبرزها:
- التحرش الإلكتروني
- الابتزاز ونشر الصور دون إذن
- التتبع عبر الإنترنت وانتحال الشخصية
- خطاب الكراهية والعنصرية الرقمية
- التزييف العميق (Deepfake) وتقنيات التشويه
وهذا النوع من العنف لا يقل خطورة عن العنف الواقعي، بل يتجاوزه أحيانًا لأنه يحدث بصمت ويصل إلى الضحية أينما كانت.
أرقام صادمة تكشف حجم المشكلة
وفق دراسة صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة في الدول العربية:
- 49٪ من النساء لا يشعرن بالأمان عند استخدام الإنترنت
- النسبة ترتفع إلى 70٪ بين الناشطات الحقوقيات
- 60٪ تعرّضن لعنف رقمي خلال عام واحد فقط
- 44٪ منهن أكثر من مرة
- 33٪ من الانتهاكات تنتقل لاحقًا إلى الواقع
- خلال جائحة كورونا ارتفعت النسبة إلى 44٪
- المنصات الأكثر تسجيلًا للانتهاكات:
- فيسبوك 43٪
- إنستغرام 16٪
- واتساب 11٪
أما نسبة الإبلاغ فلا تتجاوز 3٪ فقط!
والأسباب الأكثر شيوعًا لعدم الإبلاغ:
- اعتقاد 41٪ بأن الإبلاغ غير مجدٍ
- 27٪ لا يعرفن الجهات المختصة
- الخوف من الوصم واللوم
- ثقافات تبرّر الجريمة وتلوم الضحية
آثار نفسية واجتماعية مدمّرة
العنف الرقمي قتل صامت؛ يزرع في المرأة:
- الخوف والقلق والاكتئاب
- العزلة والخجل
- فقدان الثقة بالنفس والمجتمع
والأصعب أن بعض الضحايا يُعاملن كمتهمات من أقرب الناس إليهن بدل الاحتواء والدعم.
الأسرة.. خط الدفاع الأول
لحماية النساء والفتيات يجب أن تكرّس الأسرة:
- الحوار بدل العقاب
- السلوك الرقمي المسؤول
- توعية الأبناء بعدم مشاركة المعلومات الشخصية
- تقديم الدعم والثقة للضحية دون لوم أو تشكيك
فالأسرة سند، وليست محكمة تفاقم الألم.
دور المجتمع والمؤسسات
المجتمع الواعي قادر على بناء فضاء رقمي آمن عبر:
- حملات التوعية في المدارس والجامعات
- إعلام مسؤول يرفض خطاب الكراهية
- مبادرات مدنية تقدّم دعمًا قانونيًا ونفسيًا
- الضغط لسنّ تشريعات تحمي المرأة في الفضاء الرقمي
مواجهة جماعية في “16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة”
تمثل حملة 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة الممتدة من 25 نوفمبر إلى 10 ديسمبر من كل عام، دعوة واضحة لرفض جميع أشكال العنف — الجسدي، النفسي، والرقمي — باعتبارها قضية إنسانية قبل أن تكون اجتماعية أو قانونية.
نحو أمان رقمي يضمن كرامة المرأة
إن حماية المرأة في العالم الرقمي حق أصيل، ولن يتحقق إلا عبر:
- قوانين رادعة تواكب التطور التكنولوجي
- ثقافة مجتمعية ترفض لوم الضحية
- منصات إلكترونية تراقب المحتوى العنيف وتستجيب بسرعة
- أدوات رقمية تحمي الخصوصية وتمنع الاستغلال
حتى يصبح العالم الرقمي مساحة آمنة تعزز صوت المرأة وتمكّنها دون خوف.
✍️ د. يارا كمون
مدرس التركيبات – كلية طب الأسنان
جامعة دمنهور

تعليق واحد
موفق