
في مشهد يبدو مأخوذًا من أفلام الخيال العلمي مثل Interstellar، طرح عالم الفيزياء الفلكية الإيطالي وخبير الثقوب السوداء كوزيمو بامبي فكرة ثورية: إرسال مركبة فضائية صغيرة جدًا، لا يتجاوز وزنها وزن مشبك ورق، بسرعة تقترب من سرعة الضوء، لاستكشاف أقرب الثقوب السوداء إلى كوكب الأرض. الهدف من هذه المهمة الطموحة هو فهم طبيعة المكان والزمان، واختبار قوانين الفيزياء في أقصى حدودها.
من هو كوزيمو بامبي؟
وُلد كوزيمو بامبي في مدينة فلورنسا الإيطالية عام 1980، ويُعد أحد أبرز المتخصصين في مجالات النسبية العامة والكونيات. يشغل حاليًا منصب أستاذ الفيزياء بجامعة فودان في شنغهاي بالصين، وتركز أبحاثه على:
- اختبار النسبية العامة في الحقول الجاذبية القوية.
- دراسة الثقوب السوداء والانهيار الجاذبي.
- فيزياء الكون المبكر.
يمتلك بامبي أكثر من 100 دراسة علمية منشورة في مجلات دولية مرموقة، وتُظهر أبحاثه شغفه الدائم بكشف أسرار الكون.
النسبية العامة وحدود المجال
تُعتبر نظرية ألبرت أينشتاين في النسبية العامة الإطار العلمي الأهم لفهم الجاذبية وبنية الزمكان.
تم اختبار النظرية لعقود في نطاق ما يُعرف بـ”حد المجال الضعيف” — أي الحالات التي تكون فيها الجاذبية ضعيفة نسبيًا، مثل دوران الكواكب حول الشمس أو حركة الأقمار الصناعية.
أما في حد المجال القوي، حيث تصبح الجاذبية هائلة ولا يمكن تبسيط معادلات أينشتاين إلى شكلها النيوتوني، فإن الاختبارات قليلة. وهنا تأتي أهمية الثقوب السوداء كمختبرات طبيعية لاختبار النسبية العامة في أقسى ظروفها.
أقرب الثقوب السوداء إلى الأرض
حاليًا، يُعتبر الثقب الأسود GAIA-BH1 المكتشف عام 2022 أقرب ثقب أسود مؤكد للأرض، ويقع على بعد 1560 سنة ضوئية في كوكبة الحواء. لكن النماذج الفلكية تشير إلى احتمالية وجود ثقوب سوداء أقرب بكثير، ربما بين 20 و25 سنة ضوئية فقط من مجموعتنا الشمسية.
وفق التقديرات، تحتوي مجرة درب التبانة على ما يقرب من مليار ثقب أسود نجمي، ما يجعل فكرة العثور على ثقب أسود قريب جدًا أمرًا واردًا.
التحدي الأكبر: الثقوب السوداء المنفردة
يمكن اكتشاف الثقوب السوداء الثنائية (التي تدور حول نجم مرافق) من خلال رصد حركة النجم. أما الثقوب السوداء المنفردة فهي أكثر صعوبة في الرصد.
أهم وسيلة حالية لاكتشافها هي عدسة الجاذبية الدقيقة، وهي ظاهرة فلكية ينحني فيها الضوء القادم من نجم بعيد بسبب جاذبية جسم ضخم يمر أمامه، مما يؤدي إلى تضخيم سطوع النجم لفترة مؤقتة.
مركبات النانوكرافت: التكنولوجيا المقترحة
يقترح بامبي استخدام مركبة فضائية فائقة الصغر تُسمى نانوكرافت، وهي عبارة عن شريحة إلكترونية بوزن جرام واحد مزودة بشراع ضوئي. يتم دفع هذه المركبة بسرعات هائلة — تصل إلى جزء كبير من سرعة الضوء — باستخدام أشعة ليزر قوية موجهة من الأرض، حيث يقوم ضغط الإشعاع على الشراع بدفع المركبة للأمام.
التحديات التقنية أمام المهمة
هناك ثلاثة تحديات رئيسية أمام إرسال مركبة إلى ثقب أسود قريب:
- تصميم النانوكرافت: يشمل تطوير أشرعة ضوئية مقاومة للإشعاع، ومصفوفات ليزر ضخمة، وأنظمة اتصال قادرة على نقل البيانات لمسافات شاسعة.
- تحديد موقع الثقب الأسود: حيث قد تكون بيانات الموجات الجاذبية غير دقيقة، بينما توفر القياسات الكهرومغناطيسية دقة أفضل.
- الأدوات العلمية المصغرة: يجب أن تكون الأجهزة العلمية بالغة الصغر وخفيفة جدًا، مع قدرة على جمع البيانات وإرسالها بفعالية.
مدة وتكلفة الرحلة
إذا تم اكتشاف ثقب أسود على بعد 25 سنة ضوئية، فإن المركبة بسرعة مقاربة لسرعة الضوء قد تصل إليه خلال نحو 70 عامًا، بينما تستغرق البيانات القادمة نحو 20 عامًا إضافية للوصول إلى الأرض. أي أن المهمة قد تمتد إلى قرن كامل.
أما التكلفة، فقد تصل وفق تقديرات بامبي إلى تريليون يورو، خاصة بسبب تكلفة بناء مصفوفات الليزر، إضافة إلى الحاجة لتقنيات لم تُخترع بعد.
من الخيال إلى الواقع
رغم أن الفكرة تبدو شبه مستحيلة اليوم، يذكّر بامبي بأن الكثير من الاكتشافات التي اعتبرها العلماء يومًا ما ضربًا من الخيال أصبحت واقعًا، مثل:
- رصد موجات الجاذبية بعد قرن من التنبؤ بها.
- تصوير ظل الثقب الأسود بعد 50 عامًا من طرح الفكرة.
ويؤكد أن إرسال مهمة كهذه إلى ثقب أسود سيكون إنجازًا علميًا غير مسبوق، قد يغير فهمنا لقوانين الفيزياء والكون.
