
في خطوة تُعدّ مفصلية في مسار استعادة أفريقيا لتراثها الفني والحضاري، أعلن متحف فنون غرب أفريقيا المعاصرة (MOWAA)، الذي يقع في قلب مدينة بنين النيجيرية، عن موعد افتتاحه الرسمي في 11 نوفمبر المقبل. يتزامن هذا الحدث المرتقب مع إطلاق معرضه الافتتاحي بعنوان “نيجيريا الخيالية: العودة إلى الوطن”، وهو نسخة محلية من الجناح النيجيري المشارك سابقًا في بينالي البندقية العالمي للفنون.
بين الأمس والاستعمار واليوم والاسترداد
مدينة بنين ليست مجرد موقع جغرافي لافتتاح متحف جديد؛ بل هي أرض ضاربة في التاريخ، كانت يومًا ما عاصمة لإحدى أعظم الممالك في غرب أفريقيا. تُعرف هذه المملكة بإرثها الفني المذهل، لا سيما البرونزيات البنينية الشهيرة، والتي تعرضت للنهب من قبل القوات الاستعمارية البريطانية في عام 1897. هذه الكنوز الفنية ظلت لعقود حبيسة المتاحف الأوروبية، لكن ملامح مرحلة جديدة بدأت بالظهور، إذ بدأت بعض المؤسسات الغربية بإعادة هذه القطع إلى موطنها الأصلي.
افتتاح يتجاوز الفن: فعاليات ونقاشات وأبحاث
لا يقتصر الافتتاح الرسمي على عرض القطع الفنية فقط، بل يسبقه برنامج ثقافي يمتد ليومين، يتضمن ندوة فكرية تناقش “المخيلات الثقافية والسياسية والفنية في نيجيريا وأفريقيا والشتات”، إلى جانب جولات إرشادية داخل المتحف ومدينة بنين، وورش عمل تفاعلية وجلسات حوارية تستكشف أدوار الفن والثقافة في صياغة الهوية الأفريقية المعاصرة.
رؤية جديدة لأفريقيا المعاصرة
وفي هذا السياق، صرّح شادريك تشيريكوري، أستاذ علم الآثار في جامعة أوكسفورد وأحد مستشاري المشروع، قائلاً:
“إن افتتاح MOWAA يمثّل لحظة فاصلة تثبت أن أفريقيا قادرة على إنشاء مؤسسات عالمية المستوى للحفاظ على تراثها، تمامًا كما فعل أسلافها الذين نحتوا روائع البرونز البنيني قبل قرون”.
وأكد أن المتحف الجديد يمتلك البنية التحتية والمعايير التي تؤهله ليكون بين أهم المتاحف في العالم، لا سيما في مجال عرض القطع المستعادة من الخارج.
صرح معماري وثقافي بمقاييس عالمية
يمتد المتحف على مساحة شاسعة تُقدّر بـ 15 فداناً (نحو 6 هكتارات)، ويحتوي على مجموعة مبانٍ ومساحات عرض مفتوحة، بالإضافة إلى مرافق حديثة مخصصة للأبحاث الأثرية، الحفظ والترميم، التخزين، والبرامج العامة.
كما افتتح المعهد في يونيو الماضي مركز الأبحاث والحفظ، المجهز بأحدث تقنيات التبريد والتخزين، إلى جانب مختبرات علمية ومساحات لعرض الفن المعاصر. وقد أُقيمت ورش عمل ميدانية وحفريات أثرية لتعريف الجمهور بطبيعة المشروع، وفتح حوار جديد حول مستقبل المتاحف الأفريقية في القرن الحادي والعشرين.
من متحف إلى مركز تحوّل حضاري
يرى أوري ديسو، مدير معهد MOWAA، أن المشروع لا يهدف فقط إلى جمع التحف وعرضها، بل يتجاوز ذلك إلى لعب دور محوري في إعادة بناء مدن أفريقيا ثقافيًا، حيث يقول:
“MOWAA ليس مجرد متحف، بل مؤسسة تدفع نحو تحولات حقيقية، وتعيد الفن إلى مركز التأثير في الحياة المعاصرة. نحن نُظهر للعالم أن أفريقيا لا تقل إبداعًا أو قدرة عن غيرها، بل تقدم نماذج جديدة في التفكير والفعل الثقافي”.
وأضاف:
“بدأنا هذه الرؤية منذ خمس سنوات، واليوم نفتخر بتحقيقها على أرض الواقع، مؤمنين بأن المتحف سيُحدث فارقًا كبيرًا في المشهد الثقافي العالمي”.
نحو مستقبل أفريقي جديد
رغم أن اكتمال المشروع بكافة مكوناته من المتوقع بحلول عام 2028، فإن زوار المتحف هذا الخريف سيتمكنون من استكشاف مجموعاته التاريخية لأول مرة داخل نيجيريا، بما فيها أعمال لم تُعرض من قبل، ما يشكّل نقطة انطلاق لتجربة فنية ومعرفية غير مسبوقة في القارة.
ومع استعداد MOWAA لإطلاق سلسلة من المعارض، والمحاضرات، والفعاليات المجتمعية، يبدو أن القارة الأفريقية تُعيد تشكيل علاقتها مع تراثها – لا كضحية استعمار، بل كفاعل ثقافي حديث يمتلك الإرادة والوسائل لرواية قصته بنفسه، وبأدواته، ومن على أرضه.
