
في إنجاز علمي جديد يضاف إلى سجل الاكتشافات المصرية العالمية، نجح فريق بحثي دولي بقيادة عالم الحفريات المصري الدكتور هشام سلام في اكتشاف مجموعة استثنائية من الحفريات السمكية بالصحراء الشرقية المصرية، كشفت عن معلومات غير مسبوقة حول كيفية تعافي المحيطات بعد الانقراض الجماعي الذي أنهى عصر الديناصورات قبل نحو 66 مليون سنة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Science Advances العلمية المرموقة، لتقدم دليلاً قوياً على أن ملامح الحياة البحرية الحديثة بدأت تتشكل أسرع بكثير مما كان يعتقد العلماء سابقاً.
موقع أحفوري استثنائي في قلب الصحراء المصرية
يقع الاكتشاف في موقع “قرية 3 الأحفوري” بالصحراء الشرقية المصرية، وهو موقع يتمتع بدرجة حفظ استثنائية للحفريات تُعرف علمياً باسم “لاجرشتاته”، حيث تمكن الباحثون من العثور على مئات الهياكل العظمية الكاملة وشبه الكاملة لأسماك عاشت قبل أكثر من 62 مليون عام.
وخلال البعثات الميدانية التي نُفذت بين عامي 2020 و2023، جمع الباحثون نحو 500 عينة أحفورية، خضعت 180 منها لدراسات تفصيلية كشفت عن وجود ما لا يقل عن 21 نوعاً من الأسماك تنتمي إلى 9 رتب مختلفة.
مفاجأة علمية: المحيطات تعافت أسرع من المتوقع
لطالما اعتقد العلماء أن النظم البيئية البحرية احتاجت إلى أكثر من 10 ملايين سنة حتى تستعيد توازنها بعد اصطدام كويكب تشيكشولوب بالأرض، وهو الحدث الذي تسبب في انقراض نحو 75% من الكائنات الحية.
لكن الحفريات المصرية الجديدة كشفت حقيقة مختلفة تماماً، إذ أظهرت أن مجتمعات سمكية متطورة وحديثة نسبياً كانت موجودة بالفعل بعد أقل من 4 ملايين سنة فقط من تلك الكارثة العالمية.
ويعني ذلك أن المحيطات لم تدخل في مرحلة تعافٍ بطيئة كما كان يُعتقد، بل شهدت عملية إعادة تنظيم بيئي سريعة سمحت بظهور مجموعات سمكية حديثة أصبحت لاحقاً أساس التنوع البحري المعروف اليوم.
أقدم سجل معروف لأسلاف التونة والماكريل
أحد أبرز نتائج الدراسة هو اكتشاف أقدم السجلات الهيكلية المعروفة لعدد من المجموعات السمكية الحديثة، ومنها:
- أسلاف أسماك التونة والماكريل.
- أسماك الجاك البحرية.
- أسماك القمر.
- أسماك الأنبوب وفرس البحر.
- أسماك الماكريل الثعبانية.
- أسماك السيف الشريطية.
وتمنح هذه الحفريات العلماء فرصة نادرة لدراسة تطور هذه الكائنات من خلال مقارنة الهياكل العظمية القديمة مباشرة بأقاربها الحديثة.
سد فجوة غامضة في تاريخ الأرض
يساعد الاكتشاف المصري في سد ما يعرف علمياً باسم “فجوة باترسون”، وهي فترة غامضة تمتد بين 66 و56 مليون سنة مضت، حيث يندر العثور على حفريات كاملة للأسماك.
وكانت هذه الفجوة تمثل أحد أكبر الألغاز في علم الحفريات، إذ لم يكن العلماء يعرفون بدقة كيف انتقلت الحياة البحرية من عالم ما قبل الانقراض إلى النظم البيئية الحديثة التي نعرفها اليوم.
أما الآن، فقد أصبحت الصورة أكثر وضوحاً بفضل الحفريات المصرية التي توثق هذه المرحلة الانتقالية المهمة.
اختفاء المفترسات القديمة وظهور جيل جديد
كشفت الدراسة أيضاً عن غياب مفترسات بحرية ضخمة كانت تهيمن على بحار العصر الطباشيري، ما يدعم فرضية انقراضها الكامل عقب الكارثة العالمية.
وفي المقابل، ظهرت مجموعات جديدة من الأسماك المفترسة والمتوسطة في السلسلة الغذائية، ما يشير إلى أن الفراغ البيئي الذي خلفته الكائنات المنقرضة لم يستمر طويلاً، بل تم ملؤه بسرعة بواسطة أنواع جديدة أكثر تكيفاً مع الظروف الجديدة.
أهمية عالمية للاكتشاف المصري
يرى الباحثون أن هذا الموقع لا يمثل مجرد اكتشاف حفري جديد، بل يعد نقطة تحول في فهم تطور الحياة البحرية بعد أحد أعظم أحداث الانقراض في تاريخ الأرض.
كما يؤكد الاكتشاف أهمية مصر كمركز عالمي لدراسة الحفريات، خاصة مع استمرار الكشف عن مواقع استثنائية تحفظ أسراراً لم تُروَ من قبل حول تاريخ الحياة على كوكبنا.
ماذا تعني هذه النتائج؟
تشير النتائج إلى أن المحيطات لم تكن أنظمة بيئية منهارة تنتظر ملايين السنين للتعافي، بل كانت مسرحاً لعملية تطور سريعة أعادت تشكيل الحياة البحرية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
ورغم أن كثيراً من الأسئلة لا تزال بحاجة إلى إجابات، فإن الحفريات المصرية الجديدة تقدم دليلاً قوياً على أن جذور عالم البحار الحديث بدأت تتشكل بعد نحو 4 ملايين سنة فقط من نهاية عصر الديناصورات، وهو اكتشاف قد يغير كتب علم الحفريات لسنوات طويلة قادمة.
