
كشفت دراسة علمية حديثة عن إمكانية الاستعانة بمؤشرات حيوية موجودة في الدم للتنبؤ بتراجع الذاكرة والقدرات الإدراكية لدى كبار السن، قبل ظهور تغيرات ملحوظة في الأداء المعرفي بسنوات، في خطوة قد تمهد لتطوير وسائل أكثر سهولة للكشف المبكر عن الأشخاص المعرضين لخطر التدهور المعرفي المرتبط بمرض الزهايمر والخرف
وأظهرت النتائج التي توصل إليها باحثون من كلية ميلر للطب بجامعة ميامي الأمريكية أن قياس بعض البروتينات في الدم قد يوفر معلومات مهمة حول صحة الدماغ ومستقبل القدرات الذهنية، حتى عندما لا تكشف اختبارات الذاكرة الأولية عن مشكلات واضحة
دراسة تشمل 1170 شخصًا للكشف عن مؤشرات تراجع الذاكرة
اعتمد الباحثون على تحليل بيانات وعينات دم لـ1170 شخصًا من كبار السن، بلغ متوسط أعمارهم نحو 73 عامًا، بهدف دراسة العلاقة بين مستويات بعض المؤشرات الحيوية والتغيرات التي قد تطرأ على الوظائف الإدراكية مع مرور الوقت
وشملت الدراسة قياس أربعة مؤشرات حيوية رئيسية في الدم، بالتزامن مع إجراء اختبارات معرفية لتقييم مجموعة من القدرات الذهنية، أبرزها:
- الذاكرة والقدرة على استرجاع المعلومات
- اللغة والمهارات اللفظية
- الوظائف التنفيذية المرتبطة بالتخطيط واتخاذ القرارات
- القدرات البصرية المكانية
- الأداء المعرفي العام
وقارن الباحثون نتائج التقييمات المعرفية التي أُجريت عامي 2016 و2022، لدراسة العلاقة بين مستويات المؤشرات الحيوية والأداء الذهني بعد ست سنوات
بروتين p-tau181 يكشف ارتباطًا مهمًا بتراجع الذاكرة
أظهرت النتائج أن ارتفاع مستويات بروتين p-tau181 في الدم ارتبط بضعف أداء الذاكرة بعد ست سنوات، رغم عدم ظهور ارتباط واضح بين مستوياته وأداء الذاكرة عند التقييم الأول
ويُعد هذا البروتين أحد المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتغيرات المرضية التي قد تحدث في الدماغ لدى المصابين بمرض الزهايمر
وتشير النتائج إلى أن بعض التغيرات البيولوجية المرتبطة بصحة الدماغ قد تحمل معلومات عن احتمالات التراجع المعرفي مستقبلًا، حتى قبل أن تصبح هذه التغيرات واضحة من خلال اختبارات الذاكرة التقليدية
ما دور بروتين GFAP في الكشف المبكر عن التدهور المعرفي؟
لم تقتصر النتائج على بروتين p-tau181، بل كشفت الدراسة أيضًا عن أهمية بروتين GFAP، وهو أحد المؤشرات المرتبطة بنشاط الخلايا النجمية في الجهاز العصبي
وأظهرت التحليلات أن ارتفاع مستويات هذا البروتين ارتبط بانخفاض الأداء في الذاكرة والوظائف التنفيذية والقدرات المعرفية العامة خلال المتابعة
وتعزز هذه النتائج أهمية دراسة أكثر من مؤشر حيوي عند تقييم صحة الدماغ، نظرًا لاختلاف العلاقة بين كل مؤشر والوظائف الإدراكية المختلفة
هل يمكن لتحليل الدم اكتشاف الزهايمر قبل ظهور الأعراض؟
تفتح نتائج الدراسة آفاقًا جديدة أمام تطوير فحوص دم قد تساعد الأطباء مستقبلًا على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة لتراجع القدرات المعرفية، بما يتيح فرصًا أفضل للمتابعة الطبية والتقييم المبكر
ومع ذلك، شدد الباحثون على أن الدراسة ركزت على التنبؤ بالأداء المعرفي والتراجع المحتمل في القدرات الذهنية، وليس على إثبات إمكانية تشخيص الإصابة المستقبلية بمرض الزهايمر أو الخرف اعتمادًا على تحليل الدم وحده
فوجود مستويات مرتفعة من بعض المؤشرات الحيوية لا يعني بالضرورة أن الشخص سيصاب بالزهايمر، كما أن التراجع المعرفي قد يرتبط بأسباب صحية متعددة
مستقبل الكشف المبكر عن الزهايمر والخرف
تشير الدراسة إلى أن الجمع بين مؤشرات حيوية مثل p-tau181 وGFAP، إلى جانب الاختبارات المعرفية والتقييم الطبي، قد يساعد على تطوير أدوات أكثر دقة لتقدير احتمالات تراجع الذاكرة والقدرات الإدراكية لدى كبار السن
وقد تسهم هذه النتائج مستقبلًا في تحسين متابعة الأشخاص المعرضين للخطر، ودعم الأبحاث الهادفة إلى فهم التغيرات المبكرة التي تسبق ظهور المشكلات المعرفية
وتؤكد الدراسة أهمية مواصلة البحث العلمي لتحديد مدى إمكانية استخدام هذه المؤشرات ضمن الفحوص الطبية، والتحقق من دقتها لدى مجموعات سكانية مختلفة
الخلاصة
يمثل تحليل المؤشرات الحيوية في الدم مجالًا واعدًا في أبحاث الزهايمر وصحة الدماغ، بعدما أظهرت دراسة جامعة ميامي ارتباط بعض هذه المؤشرات بتراجع الذاكرة والأداء المعرفي بعد سنوات من قياسها
ورغم أن النتائج لا تعني توفر تحليل دم يستطيع التنبؤ المؤكد بالإصابة بالخرف، فإنها تدعم إمكانية تطوير وسائل مستقبلية تساعد على اكتشاف الأشخاص الأكثر عرضة للتدهور المعرفي في مراحل مبكرة
وقد يكون الجمع بين التحاليل البيولوجية والاختبارات المعرفية أحد المسارات المهمة نحو تحسين الكشف المبكر عن التغيرات المرتبطة بصحة الدماغ لدى كبار السن
