
في خطاب مهم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس موقفه التاريخي من مستقبل فلسطين قائلاً: “لا نريد دولة فلسطينية مسلحة”. ودعا الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، إلى تسليم أسلحتها للسلطة الفلسطينية، مؤكداً أنه لن يكون لحركة حماس أي دور في إدارة الحكم.
لكن فكرة دولة بلا جيش ليست بالأمر الجديد على الساحة العالمية. فالجيش يُعتبر عادة رمز السيادة الوطنية وأداة الدفاع الأساسية عن حدود الدولة، ويشكل جزءاً لا يتجزأ من هوية الدولة وكيانها السياسي. ومع ذلك، توجد مجموعة من الدول التي قررت الاستغناء عن الجيوش لأسباب متنوعة، سواء كانت تاريخية، اقتصادية، سياسية، أو جغرافية.
في هذا المقال، نستعرض أبرز هذه الدول، أسباب استغنائها عن الجيش، وكيفية حماية أمنها الداخلي والخارجي، وما الدروس المستفادة من تجاربها.
أوروبا: أيسلندا والفاتيكان ودول صغيرة بلا جيش
أيسلندا: قوة دفاع تعتمد على الحلفاء
أيسلندا مثال بارز لدولة بلا جيش، رغم كونها عضواً مؤسساً في حلف شمال الأطلسي (الناتو). منذ استقلالها عن الدنمارك عام 1944، اعتمدت أيسلندا على قوات شرطة صغيرة للأمن الداخلي، وعلى التزامات شركائها في الناتو لتأمين الدفاع الخارجي.
تقول دائرة المعارف البريطانية إن أيسلندا لا تمتلك جيشاً نظامياً، لكنها تمتلك خفر سواحل شبه عسكري ووحدة صغيرة للاستجابة للطوارئ. وباعتبارها عضواً في الناتو منذ عام 1949، تعتمد على اتفاقيات الدفاع الجماعي، بما في ذلك تعاون طويل الأمد مع الولايات المتحدة وحماية مجالها الجوي عبر دوريات الحلف.
تبرر أيسلندا خيارها بعدم إنشاء جيش بأن التكاليف باهظة بالنسبة لدولة صغيرة بعدد سكان محدود، إضافة إلى موقعها الجغرافي في شمال الأطلسي الذي يجعلها أقل عرضة للتهديدات المباشرة. هذا التوجه ساهم في جعل أيسلندا واحدة من أكثر دول العالم سلمية واستقراراً.
الفاتيكان: الحرس السويسري رمزياً
الفاتيكان، أصغر دولة مستقلة في العالم، لا تمتلك جيشاً نظامياً. وتعتمد الدولة على الحرس السويسري البابوي، قوة صغيرة ذات طابع رمزي وتاريخي لحماية البابا، بينما تتحمل إيطاليا مسؤولية حماية الدولة بموجب اتفاقية لاتران (1929). غياب الجيش هنا مرتبط بطبيعة الفاتيكان كقوة روحية وليست عسكرية، دون طموحات خارجية.
دول أوروبية صغيرة أخرى بلا جيوش
هناك أربع دول أوروبية صغيرة أخرى: موناكو، أندورا، ليختنشتاين، وسان مارينو:
- موناكو: تعتمد على فرنسا للدفاع ولديها قوة شرطة محلية.
- أندورا: ترتيبات خاصة مع فرنسا وإسبانيا لتأمين الأمن الخارجي.
- ليختنشتاين: ألغت جيشها عام 1868، وتحتفظ فقط بشرطة داخلية.
- سان مارينو: ليس لديها جيش رسمي، وتعتمد عملياً على إيطاليا لضمان أمنها الخارجي.
تجمع هذه الدول سمات مشتركة: صغر المساحة، قلة السكان، الاعتماد الاقتصادي على السياحة والخدمات المالية، وتحالفات أمنية مع دول كبرى. كما أن غياب الجيش يسمح بتوجيه الموارد نحو التنمية الداخلية، ما يفسر مستويات التعليم والرعاية الصحية العالية فيها.
أمريكا الوسطى: كوستاريكا وبنما نموذجاً للاستقرار بلا جيش
كوستاريكا: قرار دستوري بعد الحرب الأهلية
كوستاريكا ألغت جيشها عام 1949 بعد حرب أهلية، وأصبح حظر الجيش جزءاً من الدستور (المادة 12). الدولة تعتمد على الشرطة الوطنية للأمن الداخلي والتحالفات الدولية للدفاع الخارجي. نتيجة لذلك، تم توجيه الموارد المالية التي كانت مخصصة للجيش نحو التعليم والصحة والبنية التحتية، ما جعلها من أكثر دول أمريكا اللاتينية استقراراً وتقدماً في مؤشرات التنمية البشرية.
بنما: الدفاع من خلال التحالفات
بنما ألغت جيشها رسمياً بعد الغزو الأمريكي لإطاحة مانويل نورييغا (1990)، لتحل محله قوات الشرطة الوطنية ووحدات حماية الحدود. الدفاع الخارجي يعتمد على تحالفاتها الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة. هذا النموذج يمكّن الدولة من الحفاظ على سيادتها وأمنها دون تكاليف إنشاء جيش دائم.
المحيط الهادئ: جزر صغيرة بلا قوات مسلحة
عدد من الدول الجزرية الصغيرة في المحيط الهادئ قررت ألا تمتلك جيوشاً نظامية، مع الاعتماد على اتفاقيات دفاع مع الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا:
- جزر سليمان: ألغت الجيش عام 2003 واستبدلته ببعثة شرطة إقليمية بقيادة أستراليا ونيوزيلندا.
- توفالو وكيريباتي وناورو وميكرونيزيا وبالاو وجزر مارشال: تعتمد هذه الدول على الشرطة المحلية للأمن الداخلي والولايات المتحدة لضمان الدفاع الخارجي، مع التركيز على التنمية، التعليم، والصحة.
المحيط الهندي: موريشيوس
موريشيوس لم تمتلك جيشاً منذ استقلالها عن المملكة المتحدة (1968). تعتمد على قوة الشرطة الوطنية والأجهزة شبه العسكرية لمواجهة الطوارئ، بينما يعتمد الدفاع الخارجي على التعاون الدولي والإقليمي. هذا النموذج يمكّن الدولة من توجيه الموارد نحو التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
الكاريبي: دول صغيرة تعتمد على الأمن الجماعي
- غرينادا: بعد الغزو الأمريكي عام 1983، لم تعد تمتلك جيشاً، وتعتمد على الشرطة الوطنية وآليات الأمن الجماعي ضمن منظمة دول شرق الكاريبي.
- الدومينيكا، سانت لوسيا، سانت فايسنت وغرينادين، سانت كيتس ونيفيس: جميعها تعتمد على الشرطة الوطنية للأمن الداخلي، مع ضمان الدفاع الخارجي من خلال عضويتها في نظام الأمن الإقليمي لدول الكاريبي.
إيجابيات وسلبيات الدول بلا جيوش
غالباً ما توجد هذه الدول في بيئات آمنة أو تتمتع بتحالفات مع قوى كبرى تكفل حمايتها.
الإيجابيات:
- توجيه الموارد نحو التنمية والتعليم والصحة.
- تعزيز الاستقرار الداخلي والاجتماعي.
- تجنب التكاليف الباهظة لإنشاء جيش دائم.
السلبيات:
- اعتماد كامل على التزامات تحالفات خارجية، ما يجعلها عرضة للخطر إذا انهارت هذه الترتيبات أو تغيرت موازين القوى الدولية.
- قلة الخيارات الدفاعية في مواجهة تهديدات غير متوقعة أو أزمات دولية.
خلاصة
بينما تعتبر معظم الدول الجيش جزءاً أساسياً من سيادتها، أثبتت تجارب كوستاريكا، أيسلندا، الفاتيكان، وليختنشتاين وغيرها أن هناك نموذجاً بديلًا ممكنًا: دولة بلا جيش، تعتمد على الشرطة الوطنية والتحالفات الدولية، مع توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والتنمية.
هذا النموذج يشكل مثالاً فريداً على أن السيادة والأمن يمكن أن يتخذ أشكالاً متعددة، ويقدم دروساً قيمة لدول تبحث عن تحقيق السلام الداخلي واستثمار مواردها في التنمية البشرية بدل الإنفاق العسكري.

تعليق واحد
رائع