
في العاشر من أبريل/نيسان عام 1912، أبحرت السفينة الأكثر تقدماً من الناحية التقنية آنذاك، “آر إم إس تيتانيك” (RMS Titanic)، في رحلتها الأولى والأخيرة من ميناء ساوثهامبتون متجهة إلى نيويورك. وعلى متنها 2201 شخص، صدمت السفينة بجبل جليدي في شمال المحيط الأطلسي وغرقت بعد أربعة أيام، مخلّفة مأساة حُكيت آلاف المرات عبر الأفلام والتقارير الصحفية.
ولكن وسط نحو 1500 ضحية لقوا حتفهم في الكارثة، ظلت قصة رجل واحد منسية لعقود طويلة؛ جوزيف فيليب ليميرسييه لاروش، الراكب الأسود الوحيد المؤثق وجوده على متن السفينة المنكوبة.
من هو جوزيف لاروش؟ جذور أريستوقراطية ونشأة مميزة
وُلد جوزيف لاروش عام 1886 في مدينة “كاب هايتيان” بدولة هايتي. لم يكن رجلاً عادياً؛ بل كان الحفيد الرابع لـ جان جاك ديسالين، أول إمبراطور لهايتي وقائد حرب استقلالها ضد الاستعمار الفرنسي.
نشأ لاروش في عائلة ميسورة الحال ذات مكانة اجتماعية مرموقة، وفي سن الخامسة عشرة (عام 1901)، سافر إلى فرنسا برفقة معلم خاص لالتحاق بالتعليم الجامعي ودراسة الهندسة في مدينة “بوفاي” القريبة من باريس.
التحديات في فرنسا: العنصرية وقصة حب شجاعة
رغم حصوله على شهادة جامعية في الهندسة، واجه لاروش واقعاً صعباً في فرنسا في أوائل القرن العشرين، حيث كانت المشاعر والتفرقة العنصرية متفشية.
- المعاناة المهنية: كان لاروش يتعرض للفصل المتكرر من عمله أو يواجه إساءات عنصرية بالغة كلما حصل على وظيفة.
- قصة الحب والتحدي: رغم كل التحديات العرقية، التقى لاروش بامرأة فرنسية بيضاء تُدعى جولييت لافارغ وتزوجها. حظي الزوجان بدعم والد جولييت الذي أبدى اهتماماً بمستواه التعليمي وأخلاقه دون النظر إلى لون بشرته.
رُزق الزوجان بابنتين: سيمون (مواليد 1909) ولويز (مواليد 1910)، لكن الضغوط العرقية والصعوبات المهنية دفعت لاروش للتفكير جدياً في العودة مع أسرته إلى موطنه الأصلي هايتي.
تقلبات القدر: كيف انتهى الأمر بعائلة لاروش على متن تيتانيك؟
لم يكن من المفترض لـ “جوزيف لاروش” وعائلته أن يكونوا على متن سفينة تيتانيك، بل كانت سلسلة من “تدخلات القدر” هي التي قادتهم إليها:
- تقديم موعد السفر: عندما حملت زوجته بطفلهما الثالث، قرر لاروش تقديم موعد المغادرة حتى لا يولد الطفل وينشأ في فرنسا، وازداد حسم القرار بعد أن رتّب له عمّه (سينسيناتوس لوكونت، رئيس هايتي آنذاك) وظيفة مدرس للرياضيات في هايتي.
- استبدال التذاكر: أرسلت والدة لاروش تذاكر سفر من الدرجة الأولى على متن السفينة “إس إس فرانس” (SS France)، لكن العائلة اكتشفت أن قوانين هذه السفينة تمنع الأطفال من تناول الطعام مع والديهم، فاستبدلوا التذاكر بتذاكر من الدرجة الثانية على متن تيتانيك.
- أزمة المحرك في شيربورغ: يوم المغادرة، كان حجم تيتانيك أكبر من أن يدخل ميناء “شيربورغ” الفرنسي، فنُقل الركاب عبر قارب صغير يُدعى “إس إس نوماديك”. تعرض القارب لعطل مفاجئ في المحرك وكادوا يفوتون الرحلة، لكنهم صعدوا في اللحظات الأخيرة.
الليلة المأساوية: الوداع الأخير في عرض البحر
في تمام الساعة 11:40 مساءً من يوم 14 أبريل 1912، اصطدمت تيتانيك بالجبل الجليدي.
أيقظ لاروش زوجته الحامل، وجمعا بعض المقتنيات الثمينة، وحملا طفلتيهما النائمتين إلى السطح العلوي. تمكنت الزوجة والابنتان من الصعود إلى أحد قوارب النجاة، ونُقِلن لاحقاً عبر السفينة “كارباثيا” إلى أمان.
أما جوزيف لاروش، البالغ من العمر 25 عاماً حينها، فقد غرق مع السفينة وكان واحداً من بين 167 راكباً في الدرجة الثانية لقوا حتفهم، ولم يُعثر على جثمانه مطلقاً.
إعادة إحياء الإرث: كيف خرجت القصة إلى النور؟
ظلت قصة لاروش طليقة التهميش لعقود، حتى اكتشفتها الأكاديمية والمخرجة الأمريكية كارليت نوروود بالصدفة أثناء زيارتها للمتحف البحري في مدينة ليفربول.
دفعت هذه القصة نوروود إلى إجراء بحث عميق وكتابة عمل مسرحي بعنوان “لاروش” لتسليط الضوء على هذه الشخصية. وترى نوروود أن أهمية قصة لاروش تكمن في:
- إثراء تاريخ تيتانيك: تقديم القصة بشفافية وتوثيق جزء غائب من إرث السفينة التاريخي.
- إبراز النجاح الإفريقي: التأكيد على وجود شخصيات بارزة وناجحة من ذوي البشرة السمراء حققت الازدهار العلمي والاجتماعي وتجاوزت حقبة العبودية.
أسئلة شائعة حول جوزيف لاروش وسفينة تيتانيك (FAQ)
من هو الراكب الأسود الوحيد على متن تيتانيك؟
هو المهندس الهايتي جوزيف فيليب ليميرسييه لاروش، وكان مسافراً برفقة زوجته الفرنسية وابنتيه في الدرجة الثانية.
هل نجت عائلة جوزيف لاروش من غرق تيتانيك؟
نعم، نجت زوجته الحامل “جولييت” وابنتاه “سيمون” و”لويز” بعد صعودهن على قارب النجاة، بينما توفي جوزيف وغرق مع السفينة.
لماذا كان جوزيف لاروش يركب في الدرجة الثانية رغم شرائه تذاكر درجة أولى؟
قام باستبدال تذاكر الدرجة الأولى على سفينة SS France بتذاكر درجة ثانية على Titanic لأن السفينة الأولى كانت تمنع جلوس الأطفال مع آبائهم على طاولات الطعام.
