
في خطوة لافتة، أحالت الحكومة الجزائرية مشروع قانون التعبئة العامة إلى مجلس النواب للمصادقة عليه، بعد أن وافق عليه مجلس الوزراء في اجتماعه الأخير بتاريخ 20 أبريل 2024. هذا المشروع، الذي يضم 69 مادة موزعة على 7 فصول، يهدف إلى وضع إطار تشريعي لتنظيم عملية الانتقال من حالة السلم إلى حالة الحرب، وضمان استعداد المؤسسات الوطنية والاقتصادية لدعم المجهود الحربي. يأتي هذا في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، لا سيما على الحدود الجنوبية مع مالي والنيجر، مما يجعل فهم أبعاد هذا القانون ضرورةً ملحة.
البنية التشريعية لقانون التعبئة: من المسؤول ومن المُلزم؟
1. إعلان التعبئة العامة: من يتخذ القرار؟
تنص المادة الخامسة على أن إعلان التعبئة العامة يكون بقرار من رئيس الجمهورية في جلسة لمجلس الوزراء، وذلك في حالات الخطر الداهم الذي يهدد مؤسسات الدولة الدستورية أو استقلالها أو سلامة أراضيها، أو في حال وقوع عدوان فعلي أو وشيك. كما يتم إنهاء التعبئة بنفس الإجراءات. هذا النص يؤكد على صلاحيات الرئيس في إدارة الأزمات الكبرى، وهو ما يتوافق مع نص الدستور الجزائري.
2. من يرسم الاستراتيجية الوطنية؟
بحسب المادة السادسة، يحدد رئيس الجمهورية المحاور الأساسية للاستراتيجية الوطنية للتعبئة العامة بموجب مرسوم رئاسي. بينما تتولى الحكومة، برئاسة الوزير الأول (المادة السابعة)، تنسيق جهود الوزارات المختلفة لتنفيذ هذه الاستراتيجية. أما وزير الدفاع (الذي يشغله حاليًا الرئيس عبد المجيد تبون)، فتُكلَّفه المادة الثامنة بالإشراف على تحضير وتنفيذ التعبئة، بما في ذلك إعداد المخططات العامة وعرضها على الرئيس للموافقة.
3. كيف يتم تنظيم التعبئة؟
تُلزم المادة التاسعة بإعداد إجراءات التعبئة في وقت السلم، مع استمرار تحديثها وتجريب فعاليتها. وتتضمن هذه الإجراءات:
- وضع الإطار التشريعي التنظيمي.
- تشكيل آليات مكلفة بالتعبئة.
- إعداد مخططات التعبئة العامة وتحديثها.
- تسخير الأشخاص والممتلكات والخدمات.
أما المادة العاشرة، فتحدد دور الوزارات والهيئات في تنفيذ هذه الإجراءات، بينما تُخصص المادة الحادية عشر إعداد المخططات الخاصة لكل وزارة بالتنسيق مع وزارة الدفاع، والتي تتولى إعداد المخطط العام.
تدابير التعبئة العامة: من الدفاع العسكري إلى المجتمع المدني
1. استمرار عمل أجهزة الدولة مع أولوية الجيش
تنص المادة الثانية والثلاثون على أن أجهزة الدولة ستواصل أداء مهامها العادية، لكن مع إعطاء الأولوية لاحتياجات الجيش. هذا النص يعكس التوازن بين استمرارية الحوكمة ومتطلبات الدفاع الوطني.
2. تدابير فورية عند إعلان التعبئة
تشمل المادة الثالثة والثلاثون تحويل الجيش من حالة السلم إلى الحرب، وتعليق إنهاء الخدمة العسكرية، وإعادة استدعاء الاحتياطيين. كما تُلزم الوزارات المعنية باتخاذ إجراءات لدعم العمليات العسكرية، مثل توفير الموارد اللوجستية.
3. دور الداخلية والاتصال في التعبئة
تُكلَّف وزارة الداخلية (المادة السابعة والثلاثون) بتنفيذ قرارات التعبئة، بما في ذلك تسهيل حركة القوات المسلحة ونشر المعلومات للمواطنين. كما تمنح المادة الثامنة والثلاثون لوزير الداخلية صلاحية إبعاد الأجانب الذين يشكلون تهديدًا لأمن البلاد، خاصة من الدول المعادية.
أما وزارة الاتصال (المادة الحادية والأربعون)، فتتولى تنفيذ الخطط الإعلامية المتعلقة بالتعبئة، مما يُبرز أهمية التوجيه الإعلامي في الأوقات الاستثنائية.
4. مشاركة المجتمع المدني والمواطنين
تنص المادة الثانية والأربعون على إلزامية مشاركة الهيئات الرسمية والمجتمع المدني في أعمال التعبئة. كما تُلزم المادة الثالثة والأربعون المواطنين بالامتثال لإجراءات التعبئة، مثل:
- الاستجابة للاستدعاءات العسكرية.
- الامتناع عن نشر أخبار تُضعف الروح المعنوية.
- الإبلاغ عن أي أجنبي من دول معادية.
التسخير والتعويض: حقوق وواجبات المواطنين
1. تسخير الأشخاص والممتلكات
تمنح المادة الرابعة والأربعون وزير الدفاع صلاحية تسخير الأشخاص والممتلكات والخدمات لتلبية احتياجات الجيش. ومع ذلك، تحدد المادة الخامسة والأربعون الفئات المعفاة من التسخير، باستثناء الخاضعين للواجبات العسكرية.
2. التعويض العادل
تكفل المادة السادسة والأربعون حق التعويض العادل للمسخرين، مع إمكانية اللجوء إلى القضاء في حال النزاعات (المادة السابعة والأربعون). كما تمنع المادة التاسعة والأربعون استخدام الممتلكات المسخرة لأغراض غير متعلقة بالتعبئة، وتحظر تصدير المواد الاستهلاكية المرتبطة باحتياجات الجيش دون ترخيص.
الدوافع السياسية والإقليمية وراء المشروع
1. الحاجة إلى إطار قانوني واضح
يؤكد النائب علي ربيج من حزب جبهة التحرير الوطني أن مشروع القانون يُعد استجابةً للضرورة التشريعية المنصوص عليها في دستور 2020. وكان من المقرر عرضه على البرلمان في 2021 و2022، لكن تأخره يعود إلى عوائق إدارية. ويُبرز ربيج أهمية القانون في توفير إطار قانوني لإدارة الأزمات والاعتداءات الخارجية، مشيرًا إلى أنه ينسجم مع الممارسات الدولية.
2. التحولات الجيوسياسية والتهديدات الإقليمية
يرى الأستاذ حكيم بوغرارة من جامعة المدية أن المشروع يأتي في ظل تزايد العسكرة وتفاقم الأزمات على الصعيد الإقليمي والدولي. ويضيف بوغرارة أن القانون يمنح السلطات صلاحيات لتنظيم المجتمع والمؤسسات في الظروف الاستثنائية، مما يعزز القدرة على مواجهة التهديدات.
3. التوترات على الحدود الجنوبية
تأتي المصادقة على مسودة القانون في لحظة حرجة، حيث تتصاعد التوترات على الحدود الجنوبية مع مالي والنيجر. وقد فجَّر الحادث الأخير في 1 أبريل 2024، عندما أسقطت الجزائر طائرة مسيّرة مالية اخترقت مجالها الجوي، أزمة دبلوماسية مع دول “كونفدرالية الساحل” (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، التي استدعت سفراء الجزائر وسحبت سفراءها. وردت الجزائر بإجراءات مماثلة، مما يعكس تأزم العلاقات الإقليمية.
التحديات المستقبلية وردود الأفعال الدولية
رغم التأكيدات الرسمية على أن القانون يندرج في إطار تعزيز السيادة، إلا أنه قد يثير قلقًا لدى بعض الجهات الدولية والإقليمية، خصوصًا إذا ترافق مع إجراءات صارمة تُقيّد الحريات أو تُسخِّر الموارد بشكل تعسفي. ومن المرجح أن تراقب المنظمات الحقوقية والدول الشريكة تطبيق القانون، خاصةً فيما يتعلق بآليات التعويض وحقوق المواطنين.
على الصعيد الداخلي، قد يواجه المشروع مقاومة من قطاعات ترى فيه تقييدًا للحريات أو زيادة في صلاحيات الجيش. لذلك، سيكون على الحكومة تقديم توضيحات دقيقة حول ضمانات الشفافية والمساءلة.
الخلاصة: قانون التعبئة العامة بين الدفاع عن السيادة وتحديات الحوكمة
يُعد مشروع قانون التعبئة العامة خطوة استراتيجية لتعزيز القدرة الدفاعية للجزائر في مواجهة التهديدات المتزايدة. ولكن نجاحه يعتمد على توازن دقيق بين:
- الاستعداد العسكري: توفير الموارد اللازمة لدعم القوات المسلحة.
- الحوكمة الرشيدة: ضمان حقوق المواطنين وتجنب التعدي على الحريات العامة.
- الدبلوماسية الفعالة: تهدئة التوترات الإقليمية وتجنب الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة.
في ظل التغيرات الجيوسياسية السريعة، قد يكون هذا القانون حجر الزاوية في استراتيجية الجزائر للحفاظ على أمنها القومي، شرط أن يُطبَّق بحكمة وشفافية.
