
حذّرت دراسة علمية حديثة من أن استمرار إزالة غابات الأمازون قد يؤدي إلى انخفاض معدلات هطول الأمطار الضرورية للأنشطة الزراعية، في تطور ينذر بعواقب بيئية واقتصادية خطيرة، خصوصاً مع اقتراب المنطقة من “نقطة تحول” مناخية قد تحدث أسرع مما كان متوقعاً سابقاً.
وبحسب الدراسة المنشورة في دورية الاتحاد الأميركي للجيوفيزياء العلمية “Geophysical Research Letters”، فإن التوسع الزراعي المتواصل، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، قد يخلق أزمة معقدة؛ إذ إن الأنشطة الزراعية التي تدفع إلى إزالة الغابات قد تتسبب مستقبلاً في تقليص الأمطار التي تعتمد عليها الزراعة نفسها.
غابات الأمازون.. رئة الأرض وصانعة الأمطار
تُعد غابات الأمازون من أهم النظم البيئية على كوكب الأرض، ليس فقط بسبب قدرتها الهائلة على امتصاص الكربون، بل أيضاً لدورها الحيوي في إعادة تدوير الرطوبة داخل الغلاف الجوي.
وتعتمد الغابة على دورة طبيعية معقدة، إذ تطلق الأشجار بخار الماء عبر عملية “النتح”، ثم يرتفع هذا البخار إلى طبقات الجو العليا ليكوّن السحب والأمطار. ولهذا، فإن غابات الأمازون لا تستقبل الأمطار فقط، بل تسهم بشكل مباشر في إنتاجها.
لكن هذا التوازن البيئي الدقيق أصبح مهدداً بصورة متزايدة مع استمرار إزالة الغطاء النباتي وارتفاع درجات الحرارة الناتجة عن تغير المناخ.
إزالة 20% من غابات الأمازون خلال نصف قرن
وأشارت الدراسة إلى أن نحو 20% من مساحة غابات الأمازون اختفت خلال الخمسين عاماً الماضية بسبب التوسع الزراعي والرعوي، خاصة في المناطق الجنوبية، حيث تشهد زراعة فول الصويا والمراعي نمواً سريعاً.
وقال الباحث الرئيسي للدراسة، إدواردو مايدا، إن الوضع الحالي يشبه “ثعباناً يلتهم ذيله”، موضحاً أن الأنشطة الزراعية التي تعتمد على الأمطار المنتظمة تسهم في الوقت ذاته في تدمير النظام البيئي المسؤول عن توفير هذه الأمطار.
وأضاف أن استمرار هذا النهج قد ينعكس مستقبلاً على أرباح المنتجين الزراعيين واستدامة النشاط الزراعي في جنوب الأمازون.
كيف تؤثر إزالة الغابات على سقوط الأمطار؟
أوضحت الدراسة أن العلاقة بين إزالة الغابات وهطول الأمطار ليست دائماً مباشرة أو خطية.
فعند إزالة مساحات محدودة من الأشجار، ترتفع درجات حرارة الهواء فوق المناطق المكشوفة، ما يساعد مؤقتاً على رفع الرطوبة القادمة من الغابات المجاورة وتكوين أمطار إضافية.
لكن مع اتساع نطاق إزالة الغطاء الحرجي، يبدأ النظام البيئي في الانهيار تدريجياً، إذ تقل قدرة الغابات المتبقية على ضخ الرطوبة إلى الغلاف الجوي، وهو ما يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات الأمطار.
وأكد الباحثون أن إزالة الأشجار على نطاق واسع داخل ولاية كاملة يختلف جذرياً عن إزالة النسبة نفسها داخل مزرعة صغيرة محاطة بالغابات، لأن التأثير يصبح إقليمياً وأكثر خطورة.
تغير المناخ يزيد حساسية الأمازون لفقدان الغابات
سعى فريق الدراسة إلى فهم تأثير الاحترار العالمي على العلاقة بين إزالة الغابات وهطول الأمطار خلال العقود المقبلة، باستخدام نماذج متطورة لمحاكاة الطقس والمناخ.
وركزت الدراسة على منطقة جنوب الأمازون، التي تشهد توسعاً زراعياً سريعاً، مع اختبار عدة سيناريوهات تجمع بين تغير المناخ ومستويات إزالة الغابات.
وأظهرت النتائج أن تغير المناخ يجعل الأمطار أكثر حساسية لفقدان الغابات في جميع السيناريوهات تقريباً.
ففي منطقة تبلغ مساحتها 90 × 90 كيلومتراً، وتحت الظروف المناخية السائدة بين عامي 2005 و2014، تبدأ معدلات الأمطار في التراجع عند فقدان نحو 50% من الغطاء الحرجي، مع انخفاض متوقع للأمطار السنوية بنسبة 1.7% بحلول عام 2050.
لكن في سيناريوهات الاحترار المناخي، تصبح الصورة أكثر خطورة:
- في سيناريو الانبعاثات المنخفضة، تبدأ الأمطار بالتراجع عند إزالة 45% فقط من الغابات، مع احتمال انخفاضها بنسبة تصل إلى 14%.
- أما في سيناريو الانبعاثات المرتفعة، فقد يكون فقدان 10% فقط من الغطاء الحرجي كافياً لبدء انخفاض الأمطار، مع تراجع محتمل يقترب من 11% بحلول منتصف القرن الحالي.
ويرجع ذلك إلى أن الهواء يصبح أكثر حرارة وجفافاً بفعل تغير المناخ، ما يقلل كمية الرطوبة المتاحة لإعادة تدويرها على شكل أمطار، وبالتالي تصبح إزالة الأشجار أكثر تدميراً من السابق.
خسائر اقتصادية تهدد الزراعة في الأمازون
وحذرت الدراسة من أن انخفاض معدلات الأمطار قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية مباشرة في القطاع الزراعي، خاصة في زراعة فول الصويا التي تُعد من أبرز أسباب إزالة الغابات.
وبحسب الباحثين، فإن انخفاض الأمطار السنوية بنسبة 4% فقط قد يؤدي إلى تراجع إنتاج فول الصويا بنسبة تصل إلى 8%، ما يعني أن المكاسب الاقتصادية قصيرة المدى الناتجة عن إزالة الغابات قد تتحول مستقبلاً إلى تهديد حقيقي لاستدامة الزراعة.
كما قد يؤدي تراجع الأمطار إلى زيادة خطر حرائق الغابات، وإضعاف قدرة الأمازون على تخزين الكربون، وهو ما يسرّع من وتيرة تغير المناخ العالمي.
هل القوانين الحالية كافية لحماية الأمازون؟
حالياً، تمنع القوانين في مناطق الأمازون ملاك الأراضي من إزالة أكثر من 20% من الغطاء الحرجي داخل أراضيهم، إلا أن الباحثين يرون أن هذه النسبة قد لا تكون كافية في ظل ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وتشير الدراسة إلى أنه في أسوأ سيناريوهات الاحترار، قد يتطلب الحفاظ على معدلات الأمطار الحالية عدم تجاوز إزالة الغابات نسبة 10% فقط.
الزراعة الحرجية.. الحل المستدام لإنقاذ الأمازون
اقترح الباحثون الاعتماد على نماذج زراعية أكثر استدامة، مثل أنظمة الزراعة الحرجية التي تدمج الأشجار المحلية مع المحاصيل الزراعية، ما يساعد على تقليل فقدان الرطوبة والحد من ارتفاع درجات الحرارة.
وأكد الباحث إدواردو مايدا أن الأمازون يحتوي بالفعل على مساحات واسعة أزيلت غاباتها سابقاً، ولذلك فإن الحل لا يكمن في فتح مناطق جديدة للقطع، بل في تحسين إنتاجية الأراضي الحالية بطرق أكثر انسجاماً مع النظام البيئي.
خاتمة
تكشف الدراسة أن مستقبل الزراعة في الأمازون مرتبط بشكل مباشر بالحفاظ على الغابات، وأن استمرار إزالة الأشجار قد يؤدي إلى نتائج عكسية تهدد الأمن الغذائي والمناخ العالمي في آنٍ واحد. وبينما تتزايد آثار الاحتباس الحراري، تبدو الحاجة ملحّة لاعتماد سياسات بيئية وزراعية أكثر استدامة لحماية واحدة من أهم الغابات على وجه الأرض.
