
يعود عالم الغجر في برشلونة إلى الواجهة الثقافية من خلال معرض «نونيل، فالميتجانا والغجر»، الذي يستكشف واحدة من التجارب الفنية والأدبية اللافتة المرتبطة بالمجتمعات المهمشة في إسبانيا الحديثة، مستعيدًا العلاقة التي جمعت الرسام إيسيدر نونيل (1872-1911) والكاتب جولي فالميتجانا (1873-1937)
ومن خلال الفن التشكيلي والأدب والوثائق التاريخية، يفتح المعرض نافذة على برشلونة في مطلع القرن العشرين، بعيدًا عن صورتها التقليدية، ليركز على الضواحي والفئات التي عاشت على هامش المجتمع، وفي مقدمتها الغجر الذين شكّلوا مصدر إلهام مشترك لنونيل وفالميتجانا
إيسيدر نونيل وجولي فالميتجانا.. لقاء الفن بالأدب
لم تكن العلاقة بين إيسيدر نونيل وجولي فالميتجانا مجرد معرفة عابرة بين اثنين من المبدعين، فقد جمعتهما الصداقة والاهتمامات الفنية ونظرة خاصة إلى الحياة الاجتماعية في برشلونة
وكان عالم الغجر واحدًا من أبرز المساحات التي التقت فيها تجربتاهما، لكن كل واحد منهما اختار وسيلته الخاصة للتعبير عنه
نونيل نقل ما شاهده إلى لوحاته ورسوماته بأسلوب تعبيري، بينما اتجه فالميتجانا إلى الكلمة والأدب، مستلهمًا من ضواحي برشلونة وشخصياتها مادة لقصصه وأعماله
وبذلك أصبحت المدينة، وخصوصًا أطرافها الاجتماعية الأقل ظهورًا، مساحة مشتركة جمعت بين الريشة والقلم
الغجر في برشلونة من الهامش إلى قلب المشهد الثقافي
يمنح المعرض زواره فرصة لاكتشاف جانب مختلف من تاريخ برشلونة، حيث لا تقتصر الحكاية على الفن بمعناه الجمالي، بل تمتد إلى الظروف الاجتماعية والثقافية التي أحاطت بالغجر خلال تلك المرحلة
فالأعمال والوثائق المعروضة تستعيد حياة جماعات لم تحظ دائمًا بموقع بارز في السرد التاريخي السائد، لكنها وجدت حضورًا واضحًا في أعمال عدد من الفنانين والأدباء
ومن هنا تبرز أهمية تجربة نونيل وفالميتجانا، إذ تحولت حياة المهمشين وضواحي المدينة على أيديهما إلى موضوع فني وأدبي يستحق التأمل
وثائق ومواد نادرة تكشف علاقة المبدعين
لا يكتفي معرض «نونيل، فالميتجانا والغجر» بعرض الأعمال المعروفة، بل يعتمد كذلك على بحث موسع ووثائق ومواد لم يسبق نشر بعضها
وتساعد هذه المواد في إعادة قراءة العلاقة التي جمعت نونيل وفالميتجانا، كما تلقي الضوء على التحولات التي مرت بها صداقتهما ومسيرتهما الإبداعية
ويمنح هذا الجانب الوثائقي المعرض بعدًا تاريخيًا يتجاوز مشاهدة اللوحات، إذ يصبح الزائر أمام محاولة لإعادة بناء مرحلة كاملة من الحياة الثقافية والاجتماعية في برشلونة
لوحات ورسومات وأزياء ونصوص أدبية
يتسم المعرض بتنوع مواده، إذ يجمع تحت سقف واحد مجموعة من اللوحات والرسومات والصور والأزياء المسرحية والنصوص الأدبية والوثائق التاريخية
ويتيح هذا التنوع قراءة الموضوع من أكثر من زاوية، فلا يظهر عالم الغجر من خلال الرسم وحده، بل عبر الأدب والمسرح والصورة والوثيقة أيضًا
كما يضم المعرض أعمالًا لفنانين ارتبطوا بالمشهد الفني في تلك المرحلة، من بينهم ريكارد كانالز، وبابلو بيكاسو، وجواكيم بيوسكا، وكارليس كاساجيماس، ورامون كاساس، وسيباستيان جونينت، وإغناسي مالول، وإنريك باسكوال مونتوريول، ورامون بيشو، إلى جانب أعمال إيسيدر نونيل وجولي فالميتجانا
برشلونة كما رآها فنانو الهامش
إحدى أبرز نقاط قوة المعرض هي تقديمه صورة لبرشلونة تختلف عن المدينة التي اعتادت الذاكرة السياحية والثقافية الاحتفاء بها
فهنا تظهر الشوارع والضواحي والوجوه التي بقيت بعيدًا عن مركز الاهتمام، لتصبح جزءًا من قراءة أوسع للتحولات التي عرفها المجتمع في مطلع القرن العشرين
ويكشف هذا المنظور كيف يستطيع الفن والأدب الاحتفاظ بذاكرة الأماكن والأشخاص الذين قد تغيب قصصهم عن الروايات التاريخية الكبرى
فالميتجانا خارج حدود الأدب
ويقدم المعرض كذلك جوانب أخرى من شخصية جولي فالميتجانا، فلا يقتصر حضوره على نشاطه الأدبي، بل يمتد إلى ارتباطه ببيئة ثقافية وفنية أوسع
ومن بين الجوانب التي يسلط عليها المعرض الضوء علاقته بورشة صياغة مرموقة ارتبطت بصناعة الكؤوس والجوائز ومر بها عدد من النحاتين البارزين في ذلك العصر، إلى جانب نشاطه بوصفه راعيًا رياضيًا
وتضيف هذه التفاصيل بعدًا جديدًا إلى شخصيته، وتكشف تشابك مجالات الفن والأدب والحياة الاجتماعية في برشلونة خلال تلك المرحلة
معرض يعيد كتابة ذاكرة المهمشين
تكمن أهمية «نونيل، فالميتجانا والغجر» في أنه لا يقدم معرضًا فنيًا تقليديًا بقدر ما يعيد فتح ملف اجتماعي وثقافي من تاريخ برشلونة
فاللوحات والرسومات والقصص والوثائق تتحول مجتمعة إلى شهادة على زمن ومكان وجماعات بشرية كانت موجودة في قلب المدينة، رغم بقائها طويلًا على هامش الصورة العامة
ومن خلال استعادة تجربتي إيسيدر نونيل وجولي فالميتجانا، يعود الغجر وضواحي برشلونة ليصبحوا جزءًا من النقاش حول قدرة الفن والأدب على حفظ الذاكرة الاجتماعية ومنح المهمشين مساحة داخل التاريخ الثقافي
