
موجة من السرقات الفنية تهز متاحف فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وتكشف ثغرات أمنية خطيرة تهدد كنوز التراث الثقافي الأوروبي، وسط تحذيرات من تزايد استهداف المؤسسات الصغيرة.
تشهد المتاحف الأوروبية تصاعداً مقلقاً في عمليات سرقة الأعمال الفنية والقطع الأثرية النادرة، بعدما تحولت مؤسسات ثقافية تحتضن كنوزاً تاريخية تقدر بملايين اليوروهات إلى أهداف لعصابات تنفذ عمليات سطو سريعة ومنظمة.
وأعادت سرقة لوحات فنية ثمينة من متحف إيطالي بالقرب من مدينة بارما تسليط الضوء على المخاطر الأمنية التي تواجه المؤسسات الثقافية في أوروبا، خصوصاً بعد عملية السطو الشهيرة على متحف اللوفر في العاصمة الفرنسية باريس.
وبات الخبراء يحذرون مما يعرف باسم «تأثير اللوفر»، وهو مصطلح يشير إلى المخاوف من تشجيع السرقات الكبرى لعصابات أخرى على استهداف المتاحف الأصغر حجماً والأقل قدرة على حماية مقتنياتها.
سرقة لوحات سيزان ورينوار وماتيس في ثلاث دقائق
في عملية سطو خاطفة، اقتحم لصوص متحف مؤسسة ماجناني روكا بالقرب من مدينة بارما الإيطالية ليلة 22 مارس، بعدما حطموا إحدى النوافذ وتمكنوا من الدخول إلى قاعات العرض.
واستخدم اثنان من أفراد العصابة مصابيح مثبتة على الرأس للتحرك داخل المتحف، قبل إنزال لوحات فنية تعود إلى ثلاثة من أبرز رموز الفن التشكيلي العالمي، وهم بول سيزان وبيير أوغست رينوار وهنري ماتيس.
وخلال ثلاث دقائق فقط، نجح المنفذون في تسليم الأعمال المسروقة إلى شريك كان ينتظرهم، ثم فروا من المكان.
وبلغت القيمة التقديرية للوحات نحو 9 ملايين يورو، أي ما يعادل قرابة 10 ملايين دولار.
وفي محاولة لتشتيت انتباه الحراسة، استخدم شخص رابع مطفأة حريق عند البوابة الرئيسية بالتزامن مع انطلاق أجهزة الإنذار.
ووصف ستيفانو روفي، مدير المؤسسة المسؤولة عن المتحف، الحادثة بأنها سلسلة من الإخفاقات الأمنية التي تزامنت بصورة سمحت للصوص بتنفيذ مخططهم.
ما هو «تأثير اللوفر» الذي يثير قلق المتاحف الأوروبية؟
أصبحت عملية السطو على متحف اللوفر في باريس نقطة مرجعية في النقاشات المتعلقة بأمن المتاحف الأوروبية، بعدما أثارت تساؤلات حول قدرة المؤسسات الثقافية الكبرى والصغرى على مواجهة الجرائم المنظمة.
ويستخدم بعض المتخصصين مصطلح «تأثير اللوفر» لوصف احتمال تشجيع نجاح عمليات السرقة البارزة لمجرمين آخرين على تنفيذ جرائم مماثلة.
ويرى مارك بالسيلس، الباحث المتخصص في الجرائم المرتكبة ضد التراث الثقافي والمقيم في برشلونة، أن نجاح سرقة متحف عالمي بحجم اللوفر يثير مخاوف أكبر بشأن المؤسسات الموجودة في المدن الصغيرة والمناطق الريفية.
وتزداد هذه المخاوف عندما يتعلق الأمر بمتاحف تمتلك مجموعات فنية ثمينة، لكنها لا تتمتع بالموارد المالية والتقنية نفسها المتاحة للمؤسسات الكبرى.
فرنسا وإيطاليا وإسبانيا أمام موجة سرقات فنية
لم تقتصر الاعتداءات على متحف واحد، بل امتدت إلى عدد من المؤسسات الثقافية في أوروبا.
ففي إيطاليا، تعرضت أعمال للفنان أنتونيلو دا مسينا للسرقة من متحف في مسقط رأسه بصقلية خلال أغسطس، في حادثة أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه أعمال عصر النهضة.
وفي فرنسا، اختفت لوحتان للفنان رينوار من مدينة كاني سور مير الواقعة على الريفييرا الفرنسية خلال سبتمبر.
أما في إسبانيا، فقد استهدف لصوص مجموعات من العملات الذهبية التاريخية في متاحف بمدينتي باداخوز وألباسيتي، إلى جانب كنز أثري يعود إلى العصر البرونزي في منطقة فيلينا بالقرب من أليكانتي.
وتكشف هذه الحوادث تنوع الأهداف التي تسعى العصابات إلى الاستيلاء عليها، من اللوحات الفنية النادرة إلى العملات التاريخية والكنوز الأثرية والمعادن الثمينة.
ثغرات أمنية تهدد المتاحف الفرنسية
تكشف البيانات الرسمية عن تحديات كبيرة تواجه حماية المؤسسات الثقافية في فرنسا.
فبحسب استطلاع أجرته وزارة الثقافة الفرنسية عام 2024، تمتلك مؤسسة ثقافية واحدة فقط من بين كل أربع مؤسسات خطة للطوارئ والوقاية من المخاطر.
كما أظهر الاستطلاع أن ما يقرب من نصف المؤسسات المشمولة يفتقر إلى أنظمة المراقبة بالفيديو.
وفي السياق نفسه، حذر تقرير برلماني فرنسي من نقص الموارد والاستعدادات اللازمة لحماية الأعمال الفنية والمقتنيات التاريخية بصورة كافية.
وتبرز هذه المؤشرات أهمية تطوير أنظمة الإنذار والمراقبة، وتدريب العاملين على الاستجابة للحوادث، وإجراء تقييمات دورية للمخاطر الأمنية.
أكثر من 4400 متحف في إيطاليا.. تحديات حماية التراث الثقافي
تواجه إيطاليا تحدياً استثنائياً بسبب الانتشار الجغرافي الواسع لمجموعاتها الفنية والتاريخية.
ووفقاً للمعهد الوطني الإيطالي للإحصاء، تضم البلاد أكثر من 4400 متحف ومؤسسة ثقافية مماثلة.
وفي المقابل، تضم إسبانيا نحو 1500 متحف، بينما تحتضن فرنسا أكثر من 1200 مؤسسة تحمل التصنيف الرسمي «متاحف فرنسا»، فضلاً عن مجموعات ثقافية أصغر.
ويرتبط هذا التوزيع في إيطاليا بتاريخ البلاد الطويل، حيث احتفظت مدن عديدة بمقتنياتها الفنية التي نشأت فيها عبر قرون من الانقسام السياسي والإداري.
وتؤكد أنتونيلا بينا، رئيسة اللجنة الإيطالية التابعة للمجلس الدولي للمتاحف، أن بقاء الأعمال الفنية في بيئاتها التاريخية يمثل إحدى أهم سمات النظام الثقافي الإيطالي.
لكن الحفاظ على هذه الميزة يتطلب، بحسب رؤيتها، تطوير إجراءات تجعل استهداف المتاحف أكثر صعوبة بالنسبة للمجرمين.
خطة فرنسية لتعزيز أمن المتاحف بقيمة 30 مليون يورو
دفعت المخاطر المتزايدة السلطات الفرنسية إلى البحث عن حلول لتعزيز حماية المؤسسات الثقافية، ولا سيما المتاحف الصغيرة التي تعتمد على ميزانيات السلطات المحلية.
وتشير المستشارة الأمنية فلورنس إمبرت إلى أن نحو 85% من المتاحف الفرنسية الصغيرة تديرها جهات محلية تواجه قيوداً مالية.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الثقافة الفرنسية خلال يوليو عن خطة أمنية تتضمن 33 إجراءً، مدعومة بتمويل يبلغ 30 مليون يورو موزعاً على ثلاث سنوات، بهدف تحسين أمن المتاحف المحلية.
ومن بين الإجراءات الأمنية التي أوصى بها مختصون إيطاليون في حماية التراث الثقافي زيادة كاميرات المراقبة، وإطالة فترات الاحتفاظ بالتسجيلات، وتشديد الرقابة على الحقائب والملابس كبيرة الحجم.
يوروبول تحذر من تطور جرائم سرقة الآثار والأعمال الفنية
أشارت وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في إنفاذ القانون «يوروبول»، في تقرير صدر خلال أغسطس، إلى تطورات مقلقة في طبيعة السرقات التي تستهدف المتاحف.
وبحسب التقرير، أصبحت بعض هذه الجرائم أكثر عنفاً، مع تزايد التركيز على المقتنيات ذات القيمة المرتفعة، بما فيها المعادن الثمينة والأحجار الكريمة والقطع الأثرية النادرة.
وتعكس هذه التحولات أهمية تعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الثقافية، خصوصاً في مجال تبادل المعلومات وتعقب المقتنيات المسروقة ومكافحة الاتجار غير المشروع بالتراث.
الذكاء الاصطناعي يدخل معركة حماية اللوحات الفنية
مع تزايد التهديدات، تتجه شركات التأمين والمؤسسات الثقافية إلى دراسة حلول تكنولوجية أكثر تطوراً لحماية الأعمال الفنية.
ومن أبرز هذه الحلول استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل تسجيلات كاميرات المراقبة، بهدف التعرف على السلوكيات غير المعتادة التي قد تشير إلى وجود تهديد أمني.
وأوضحت ديشني ماهيندران، المتخصصة في تأمين الأعمال الفنية، أن شركة بيزلي تدرس إمكانات توظيف هذه التقنيات لمساعدة العاملين في المتاحف والمعارض على اكتشاف المخاطر بصورة مبكرة.
وقد تساعد الأنظمة الذكية في دعم فرق الأمن، لكنها لا تلغي الحاجة إلى إجراءات الحماية المادية والتدريب البشري والاستجابة السريعة للحوادث.
سرقات المتاحف تعيد رسم خريطة التأمين على الأعمال الفنية
لم تعد تداعيات السرقات مقتصرة على خسارة اللوحات والقطع الأثرية، بل امتدت إلى قطاع التأمين وتقييم المخاطر المالية.
ويشير فيليبو جيريني-مارالدي، المتخصص في تأمين الفنون الجميلة والثروات الخاصة لدى شركة هاودن سبيشالتي، إلى أن كثيراً من المتاحف الحكومية الكبرى في أوروبا الغربية تعتمد على برامج تعويض حكومية بدلاً من وثائق التأمين التجاري التقليدية.
غير أن تزايد عمليات السطو دفع بعض المؤسسات إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر التي تواجه مجموعاتها.
ويرى جيريني-مارالدي، استناداً إلى خبرته الممتدة لأربعة عقود، أن سرقة الأعمال الفنية أصبحت من المخاطر الرئيسية التي تستحق اهتماماً أكبر، بعدما كانت تُعامل في السابق باعتبارها تهديداً ثانوياً.
هل تتحول المتاحف الأوروبية إلى حصون مغلقة؟
تطرح موجة السرقات سؤالاً حساساً أمام المسؤولين عن المؤسسات الثقافية: كيف يمكن حماية الأعمال الفنية النادرة دون تحويل المتاحف إلى أماكن يصعب على الجمهور دخولها؟
فالمتاحف لا تؤدي وظيفة حفظ المقتنيات فحسب، بل تمثل فضاءات تعليمية وثقافية تتيح للمجتمعات التعرف على تاريخها وتراثها الفني.
وتحذر المستشارة الأمنية فلورنس إمبرت من أن الإفراط في الإجراءات الأمنية قد يؤثر سلباً في تجربة الزوار ويحد من سهولة الوصول إلى المؤسسات الثقافية.
وفي المقابل، يرى جوليان فولبر، المتخصص في حفظ المقتنيات لدى متحف أفريقيا البلجيكي، أن عرض القطع الأثرية شديدة الحساسية ينبغي أن يرتبط بتوافر تدابير حماية مناسبة.
كما يشدد على أهمية المحافظة على أصالة تجربة المتحف، بدلاً من الاعتماد المفرط على النسخ المقلدة للأعمال الأصلية.
مستقبل أمن المتاحف الأوروبية بين التكنولوجيا وحماية التراث
تكشف حوادث سرقة المتاحف في أوروبا عن معضلة تتجاوز القيمة المالية للأعمال المسروقة، إذ تمس قدرة المجتمعات على صون ذاكرتها التاريخية وهويتها الثقافية.
ومع اتساع شبكات المتاحف وتفاوت إمكاناتها المالية، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير استراتيجيات متكاملة تجمع بين أنظمة المراقبة الحديثة، والتعاون الأمني الدولي، والتأمين، والتدريب المتخصص.
ويبقى التحدي الأكبر أمام المؤسسات الثقافية الأوروبية هو تحقيق التوازن بين حماية الكنوز الفنية وإبقائها متاحة للجمهور.
فالخسارة الحقيقية في سرقة لوحة فنية نادرة لا تقاس بملايين اليوروهات وحدها، بل بما قد يفقده العالم من تراث إنساني لا يمكن تعويضه.
