
في عالم تتداخل فيه أصوات الطائرات الحربية مع صرخات الضحايا، وتأخذ فيه الحروب من الإنسان أكثر مما تترك له، تفتح الكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي نافذة أدبية على المأساة الإنسانية في غزة ولبنان، من خلال روايتها «طيران على مستوى منخفض»، التي تتناول الآثار النفسية والأخلاقية للحرب، وتكشف كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى ساحة مواجهة لا تقل قسوة عن ميادين القتال.
لا تكتفي الرواية برصد مشاهد الدمار والنزوح والموت، بل تتوغل في أعماق شخصيتين تنتميان إلى طرفين متواجهين: مقاتل لبناني من أصول فلسطينية، وطيار حربي إسرائيلي. ورغم اختلاف موقعيهما في الصراع ومسؤولية كل منهما عن أفعاله، تجمعهما تجربة الاضطراب النفسي الذي تتركه الحرب، والأسئلة الصعبة المتعلقة بالحياة والموت والضمير الإنساني.
وتستند الرواية، الصادرة عن «محترف أوكسجين للنشر» في أونتاريو بكندا، إلى شخصيات حقيقية ووقائع مستمدة من الواقع، بحسب ما تشير إليه مؤلفتها في المقدمة، مع إعادة تشكيلها ضمن بناء أدبي يمزج بين التوثيق والتخييل الروائي.
رواية «طيران على مستوى منخفض».. شخصيتان في مواجهة ذاكرة الحرب
تقوم الحبكة الروائية على شخصيتين محوريتين، هما علي موزارت، أستاذ الرياضيات اللبناني الذي ينخرط في العمل القتالي، وأليعازر، الطيار الإسرائيلي الذي يجد نفسه أمام أسئلة أخلاقية مؤلمة نتيجة مشاركته في العمليات العسكرية.
تختار ثناء عطوي أن تبدأ الحكاية من مرحلة تقترب من نهايتها، حين يجلس كل من البطلين أمام طبيب نفسي، محاولاً مواجهة ما تراكم في داخله من صور وتجارب صادمة.
يعاني أليعازر شعوراً متصاعداً بالذنب بسبب الغارات الجوية التي شارك في تنفيذها، بينما يجد علي نفسه أسيراً لذكريات الحرب، عاجزاً عن التخلص من مشاهد الموت والخوف والعزلة.
ومن هذه النقطة تنطلق الرواية في استعادة الماضي، لتكشف تدريجياً التحولات التي طرأت على الشخصيتين، وكيف انتقلت الحرب من ساحات المواجهة العسكرية إلى أعماق النفس البشرية.
أليعازر.. طيار إسرائيلي تطارده أسئلة الضمير
ترسم الرواية شخصية أليعازر بوصفه طياراً إسرائيلياً ينتمي إلى يهود السفارديم، ارتبط منذ شبابه بعالم الطيران والموسيقى، قبل أن تتحول تجربته العسكرية إلى مصدر أزمة نفسية وأخلاقية.
من داخل قمرة الطائرة الحربية، يراقب أليعازر المدن والأحياء التي تتعرض للقصف، ويرى المباني تتحول إلى أنقاض، بينما تظهر الأهداف على الشاشات الإلكترونية في صورة نقاط وإحداثيات.
ومع تكرار المهمات العسكرية، يبدأ الطيار في إدراك الفجوة بين الطبيعة التقنية للعمليات الجوية وحجم المعاناة الإنسانية التي تخلفها على الأرض.
ويطرح على نفسه سؤالاً مركزياً يتكرر في مسار الرواية: هل هو طيار يؤدي واجبه العسكري، أم إنسان يتحمل مسؤولية قتل الآخرين؟
تتعمق أزمته عندما يشاهد صور النازحين والأطفال الذين يعانون الجوع والبيوت المدمرة، فيجد نفسه أمام تناقض بين الخطاب الذي يحيط بالحرب والواقع الذي يراه بعينيه.
ومن خلال هذه الشخصية، تستكشف ثناء عطوي العلاقة المعقدة بين السلطة العسكرية والضمير الفردي، وتطرح تساؤلات عن حدود الطاعة والمسؤولية الأخلاقية في زمن الحرب.
علي موزارت.. من أستاذ رياضيات إلى مقاتل في أنفاق جنوب لبنان
على الجانب الآخر، تقدم الرواية شخصية علي موزارت، الشاب اللبناني المولود لأم فلسطينية تنحدر عائلتها من مدينة بئر السبع، التي تعرض أهلها للتهجير خلال نكبة عام 1948.
ينشأ علي محاطاً بحكايات فلسطين وذكريات الأرض المفقودة، ويتأثر بالأغاني الشعبية والتقاليد التي احتفظت بها عائلته، فتتشكل لديه منذ الطفولة علاقة وجدانية عميقة بالقضية الفلسطينية.
وقبل دخوله عالم القتال، يعيش حياة مختلفة تماماً، فهو أستاذ رياضيات ذو ميول يسارية، شغوف بالشعر والموسيقى والأدب والفلسفة، ويجد في مقاهي بيروت ومساحاتها الثقافية عالماً ينسجم مع اهتماماته.
غير أن حياته الشخصية تشهد تحولاً مؤلماً بعد انفصاله عن حبيبته نينار، التي ارتبط بها لمدة ثلاث سنوات، قبل أن تتزوج وتهاجر إلى كندا.
تترك التجربة العاطفية أثراً عميقاً في نفسه، وتتداخل لاحقاً مع تحولات فكرية وسياسية تقوده إلى الانخراط في صفوف المقاتلين.
الحياة داخل الأنفاق.. عزلة وخوف وحنين إلى الشمس
داخل أحد الأنفاق العميقة في جنوب لبنان، يتولى علي مهمات تتعلق بالاتصالات والرصد والتنسيق بين المقاتلين.
وهناك، بعيداً عن ضوء النهار والحياة اليومية، يختبر عزلة نفسية قاسية، تصبح فيها التفاصيل البسيطة التي اعتادها الناس أحلاماً بعيدة المنال.
يشتاق إلى الشمس والهواء النقي ورائحة الخبز والطعام المنزلي، وإلى أصوات المدينة التي كان يعيش فيها.
وتتحول هذه التفاصيل إلى رموز للحرية والحياة الطبيعية، في مقابل عالم الأنفاق المغلق الذي تهيمن عليه أصوات الانفجارات والترقب والخوف.
وتمنح الكاتبة هذه التجربة بعداً إنسانياً، إذ لا تقتصر شخصية علي على دوره القتالي، بل تظهر أيضاً هشاشته النفسية وحنينه إلى الحياة التي تركها خلفه.
الموسيقى في رواية «طيران على مستوى منخفض».. لغة تتجاوز خطوط الصراع
تحتل الموسيقى مساحة أساسية في البناء الفني للرواية، وتشكّل أحد أبرز الروابط بين علي موزارت وأليعازر، رغم وجودهما على طرفين متقابلين من الحرب.
فأليعازر يمتلك مكتبة موسيقية واسعة، ويرى في الألحان ملاذاً يستطيع من خلاله الابتعاد مؤقتاً عن قسوة الواقع العسكري.
أما علي، فقد اكتسب لقب «موزارت» من أصدقائه بسبب شغفه الكبير بالموسيقى، وإيمانه بوجود علاقة وثيقة بين الرياضيات والتأليف الموسيقي.
وبحكم عمله أستاذاً للرياضيات، يجد في الإيقاعات والألحان أنماطاً من التناسق تشبه المعادلات الرياضية، ويعتبر أن الرياضيات تنشط العقل، بينما تمنح الموسيقى الروح مساحة للتأمل والتحرر.
وتصبح الموسيقى بالنسبة إليه وسيلة لمقاومة العزلة والخوف داخل الأنفاق، ومحاولة لإسكات الضجيج الذي تتركه الحرب في داخله.
ومن خلال هذا الحضور المتكرر، تتحول الموسيقى من مجرد اهتمام مشترك بين الشخصيتين إلى رمز فني للحياة والجمال، في مواجهة العنف والخراب.
بين غزة وبيروت.. الحرب كما يعيشها المدنيون
لا تحصر ثناء عطوي أحداث الرواية في العالم الداخلي للشخصيتين الرئيسيتين، بل توسع المشهد ليشمل الحياة اليومية للمدنيين في غزة ولبنان.
وتبرز شخصية غدير، جارة علي، التي تعيش حالة خوف مستمر تجعل النوم نفسه تجربة صعبة خلال الحرب.
ومن خلال هذه الشخصية وغيرها من المشاهد، ترصد الرواية كيف يمتد تأثير القصف إلى تفاصيل الحياة العادية، فيحوّل البيوت والشوارع والذكريات إلى مصادر قلق دائم.
كما تستحضر مشاهد النزوح والجوع والدمار في قطاع غزة، وما تعرضت له الأحياء السكنية والمنشآت المدنية من تدمير.
وتتوقف الرواية عند مشاهد يراقب فيها أليعازر سلوك بعض الجنود الإسرائيليين تجاه الدمار الذي يلحق بالمنازل والمدارس والمستشفيات، الأمر الذي يزيد شعوره بالاغتراب عن المؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها.
ذاكرة الحروب القديمة تعود في الحاضر
تستدعي الرواية أيضاً ذاكرة الأجيال السابقة، من خلال أحاديث جدة أليعازر عن المجاعة والحرب العالمية والمجازر التي بقيت حاضرة في وجدانها.
ويفتح هذا الاستحضار باباً للتأمل في تكرار المآسي الإنسانية، وفي قدرة الذاكرة الجماعية على الاحتفاظ بصور العنف عبر الأجيال.
وتوظف الكاتبة هذه المقارنة لإبراز مفارقة مؤلمة، تتمثل في أن المجتمعات التي تحمل ذكريات المعاناة قد تجد نفسها، في ظروف تاريخية مختلفة، أمام أسئلة جديدة تتعلق بمسؤوليتها تجاه معاناة الآخرين.
اضطراب ما بعد الصدمة.. عندما تستمر الحرب داخل الإنسان
في المراحل الأخيرة من الرواية، تصل رحلة علي موزارت وأليعازر إلى مواجهة مباشرة مع الآثار النفسية للحرب.
ويُشخّص الاثنان باضطراب ما بعد الصدمة، بعد أن أصبحت التجارب التي عاشاها تؤثر في قدرتهما على استعادة حياتهما الطبيعية.
يتخذ أليعازر قراراً باعتزال الطيران، بل يصل به الأمر إلى تجنب النظر إلى السماء، بعدما أصبحت مرتبطة في ذاكرته بمشاهد القصف والموت.
أما علي، فيحاول استعادة علاقته بالحياة اليومية في بيروت، لكنه يظل محاطاً بذكريات الأنفاق والعزلة والخوف.
وهكذا تؤكد الرواية أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب بالنسبة إلى من عاشوها، إذ قد تستمر آثارها النفسية لسنوات طويلة.
وفي المشاهد الختامية، يعود أليعازر إلى مكتبته الموسيقية، بينما يجلس علي في شرفة منزله الصغيرة في بيروت، ليستعيد كل منهما شيئاً من عالمه الشخصي.
وتترك النهاية الشخصيتين في مساحة معلقة بين الماضي والحاضر، وبين الأرض والسماء، في صورة تتناغم مع عنوان الرواية ودلالاته الرمزية.
الغلاف واللوحات الفنية.. تجربة بصرية ترافق النص الروائي
لا تقتصر الخصوصية الفنية لرواية «طيران على مستوى منخفض» على بنيتها السردية، بل تمتد إلى تصميم الغلاف والخطوط واللوحات التشكيلية المصاحبة للنص.
فقد استوحى الخطاط السعودي العراقي ماجد اليوسف تصميم عنوان الرواية من أنماط الكتابة المستخدمة على الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية، في معالجة بصرية ترتبط مباشرة بعالم الرواية العسكري.
أما الغلاف، فقد صممه الفنان ومصمم الغرافيك اللبناني إيهاب فياض، مستلهماً ملامحه من شخصية الطيار وما تحمله من دلالات داخل العمل.
وتضم الرواية كذلك ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، المعروف باهتمامه الفني بلبنان وفلسطين، وبأعماله التي تستحضر الذاكرة المكانية وآثار الحروب.
ويعتمد يونغ في جانب من تجربته على تقديم أعمال فنية داخل مبانٍ مهجورة أو متضررة، سعياً إلى إعادة إحياء هذه الأمكنة عبر الفن.
ويمنح هذا التداخل بين الأدب والفن التشكيلي والتصميم البصري الرواية بعداً جمالياً إضافياً، يجعل الصورة شريكاً في التعبير عن موضوعاتها الإنسانية.
ثناء عطوي تقدم قراءة أدبية في الحرب والذاكرة والضمير
تطرح رواية «طيران على مستوى منخفض» أسئلة تتجاوز الوقائع العسكرية المباشرة، لتقترب من جوهر التجربة الإنسانية في أزمنة الصراع.
فمن خلال شخصيتي علي موزارت وأليعازر، تستكشف ثناء عطوي العلاقة بين الحرب والذاكرة، وبين المسؤولية الفردية والقرارات العسكرية، وبين الرغبة في الحياة والواقع الذي يفرضه العنف.
وتنجح الرواية، وفق البناء الذي تقدمه، في توظيف ثنائية الأرض والسماء لتصوير عالمين متباعدين جغرافياً ونفسياً، لكنهما يلتقيان عند سؤال المعاناة الإنسانية.
كما تمنح الموسيقى والذكريات الشخصية حضوراً لافتاً، في محاولة لإبراز ما تبقى من المشاعر الإنسانية وسط الخراب.
وفي النهاية، تترك الرواية قارئها أمام سؤال يتجاوز مصير بطليها: هل تنتهي الحرب عندما تصمت الطائرات والمدافع، أم عندما يستطيع الإنسان التحرر من صورها التي تسكن ذاكرته؟
