
كشفت ملاحظات حديثة وفّرتها أجهزة رصد فلكية متقدمة عن أدلة علمية جديدة تشير إلى أن الكون شهد نمواً وتطوراً أسرع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً. وتعتمد هذه النتائج على بيانات التُقطت بواسطة تلسكوب جيمس ويب الفضائي، إلى جانب مرصد متخصص في رصد الأشعة السينية، ما أتاح للعلماء فرصة نادرة لدراسة مراحل مبكرة جداً من تاريخ الكون.
وأظهرت هذه الملاحظات تشكُّل عنقود مجري بدائي في فترة مبكرة للغاية، تعود إلى نحو مليار سنة فقط بعد الانفجار العظيم، الذي يُقدَّر عمره بنحو 13.8 مليار سنة. ويضم هذا العنقود الناشئ ما لا يقل عن 66 مجرة محتملة، بكتلة إجمالية تُعادل قرابة 20 تريليون نجم بحجم الشمس، وهو رقم هائل بمعايير الكون المبكر.
عناقيد المجرات: تكوينات كونية عملاقة تظهر مبكراً
تُعد عناقيد المجرات من أكبر الهياكل المعروفة في الكون، إذ تضم عادة مئات أو حتى آلاف المجرات المرتبطة معاً بفعل الجاذبية. ووفقاً للنظريات السائدة، كان يُعتقد أن تشكّل مثل هذه التكوينات الضخمة يتطلب زمناً أطول بكثير، نظراً لاحتياجها إلى كثافة عالية من المجرات ونشاط جاذبي معقّد.
إلا أن هذا الاكتشاف الجديد يُعيد النظر في تلك الفرضيات، خاصة أن مجرة درب التبانة نفسها تُعد جزءاً من أحد هذه العناقيد، ما يمنح الاكتشاف بعداً إضافياً لفهم موقعنا في الكون.
المادة المظلمة ودورها في تماسك الكون
وأوضح الباحثون أن هذا العنقود الأولي يتميز بجميع السمات الأساسية لعناقيد المجرات الناضجة، مثل وجود هالة من الغاز شديد السخونة تصل حرارته إلى ملايين الدرجات، إضافة إلى نمط مركزي واضح في انبعاثات الأشعة السينية. ويُعتقد أن هذه الخصائص لا يمكن تفسيرها دون الدور المحوري للمادة المظلمة.
وتُشكّل المادة المظلمة نحو 85% من إجمالي مادة الكون، ورغم أنها لا تُصدر أو تعكس الضوء، فإن العلماء يستدلون على وجودها من خلال تأثيراتها الجاذبية واسعة النطاق، والتي تُسهم في تماسك عناقيد المجرات والحفاظ على بنيتها.
مفاجأة علمية تُربك النماذج الكونية
كان العثور على بنية مجرية بهذا الحجم والنضج عندما لم يتجاوز عمر الكون 7% من عمره الحالي أمراً غير متوقع للعلماء. فبحسب معظم النماذج الكونية المعتمدة، لم يكن الكون في تلك المرحلة المبكرة قد بلغ درجة النضج أو الكثافة الكافية لتشكيل عنقود مجري بهذا التعقيد والضخامة.
وللمقارنة، فإن أقدم بنية مشابهة جرى رصدها سابقاً يعود تاريخها إلى نحو 3 مليارات سنة بعد الانفجار العظيم، ما يجعل هذا الاكتشاف الجديد الأقدم من نوعه حتى الآن، ويفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة لنماذج تطور الكون وتكوّن البُنى الكونية الكبرى.
