
في تقرير جديد نشرته مجلة نيوزويك بشكل حصري، كشف فريق من مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة التابع لجامعة جورج تاون أن الصين قد تكون في طور تطوير ذكاء اصطناعي من الجيل التالي، يُفترض أن يكون مشبعًا بالقيم الثقافية والفكرية الصينية. هذا التطور قد يقلب موازين القوة العالمية في سباق الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بتطوير ما يُعرف بـ الذكاء الاصطناعي العام (Artificial General Intelligence – AGI)، الذي يمتلك قدرات تشبه إلى حد كبير التفكير البشري.
ووهان: مركز اختبار الثورة الصينية في الذكاء الاصطناعي
تشير الأدلة إلى أن مدينة ووهان أصبحت محورًا استراتيجيًا في هذه الجهود، حيث تحولت إلى مركز رئيسي لأبحاث الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. وفقاً للتقرير، فإن معهدين رائدين في مجال الذكاء الاصطناعي ومقرهما الرئيسي في بكين أنشآ فروعاً جديدة في ووهان، بهدف التعاون في تطوير بدائل متقدمة لنماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة (Large Generative AI Models – LLMs)، التي تسيطر على اهتمام شركات التكنولوجيا الكبرى في الغرب.
منهجية مختلفة.. ورهانات استراتيجية
يؤكد وليام سي هاناس، المؤلف الرئيسي للتقرير، أن النهج الصيني في تطوير الذكاء الاصطناعي يتميز بأنه مبتكر ومتعدد الأوجه، وأن الولايات المتحدة تواجه خطر التخلف عن المنافسة – إن لم يكن قد فات الأوان بالفعل. وأشار هاناس إلى ضرورة أن تتبنى أمريكا نهجاً أكثر تنافسية، قائلاً:
“إن ضخ مليارات الدولارات في مراكز البيانات وحده لا يكفي. نحن بحاجة إلى العمل بسرعة وبذكاء”.
وأضاف هاناس، وهو خبير سابق لدى وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) ويعمل حالياً في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية للأمن السيبراني، أن الميزتين اللتين كانتا تقليديًا في صالح الولايات المتحدة – وهما تصنيع الشرائح الدقيقة والخوارزميات المتطورة – بدأتا تتآكلان بسبب التقدم السريع في الحلول المحلية الصينية.
والأهم من ذلك، أن التنافس الحالي بين البلدين لا يدور حول نفس اللعبة. فالشركات الأمريكية تركز بشكل أساسي على النماذج الإحصائية الضخمة، بينما تغطي الصين رهاناتها عبر دعمها لمسارات متعددة في تطوير الذكاء الاصطناعي العام (AGI).
الصدمة الصينية: ظهور DeepSeek
لم تخلُ الطريق من المفاجآت؛ ففي يناير الماضي، فاجأت الصين العالم بإطلاقها نموذج DeepSeek، وهو نموذج للذكاء الاصطناعي التوليدي حقق نتائج ملحوظة في مجال كان يُعتقد أن الولايات المتحدة تسيطر عليه تمامًا، مثل نموذج ChatGPT من شركة OpenAI.
لكن الأبحاث الصينية تتجاوز مجرد تطوير نماذج لغوية ضخمة، إذ تعمل العلماء هناك على تجسيد الذكاء الاصطناعي في بيئات الواقع الحقيقي. وهذا يعني أن الخوارزميات لا تتعلم فقط من البيانات، بل تتفاعل مع البيئة المحيطة بها وتتطور أثناء الأداء الفعلي، مما يجعلها أقرب إلى الذكاء البشري.
الذكاء الاصطناعي المشبع بالقيم الصينية
أشار التقرير إلى أن أحد أبرز ملامح المشروع الصيني هو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيم الثقافية والسياسية الصينية. وقال الباحثون إن مناهج الذكاء الاصطناعي في الصين تعتمد على تفاعل مباشر مع البيئة الواقعية، مع إدخال القيم الصينية المحددة مسبقًا داخل الخوارزميات.
كما يشمل النهج الصيني دمج علم الأعصاب العصبي (Neuroscience) مع الذكاء الاصطناعي، في محاولة لفهم أفضل لكيفية عمل الدماغ البشري ومحاكاته في الأنظمة الذكية.
ماذا يعني هذا لمستقبل المنافسة العالمية؟
يقول الخبراء إن من ينجح أولاً في تطوير نموذج عملي وناجح للذكاء الاصطناعي العام (AGI)، سيكون له تأثير هائل على الهيبة التكنولوجية والاقتصادية وحتى العسكرية في العالم.
كتب الباحثون في تقريرهم:
“بينما نركز على سلامة الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسليحه، يجب أن نضع في اعتبارنا أيضاً إمكانية أن تتفوق علينا دولة تتحرك بسرعة وحسم أكبر لتحقيق الوعود التي يقدمها الذكاء الاصطناعي.”
غياب التعليق الرسمي
حاولت مجلة نيوزويك التواصل مع عدد من المعاهد البحثية الصينية، بما في ذلك معهد جامعة تسينغهوا للذكاء الاصطناعي للحوكمة الدولية، الذي يعمل على قضايا أخلاقية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكنها لم تتلقَ أي ردود رسمية. كما لم ترد السفارة الصينية في واشنطن على طلب التعليق حتى لحظة نشر التقرير.
الخلاصة:
تُظهر الصين زخمًا استثنائيًا في سباق الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من خلال تطوير نماذج لغوية متقدمة، بل من خلال إعادة تعريف طبيعة الذكاء الاصطناعي نفسه. ومن خلال تركيزها على الذكاء الاصطناعي العام (AGI) وإدماجه بالقيم الثقافية والبيئات الواقعية، تبدو بكين مستعدة لدخول مرحلة جديدة من المنافسة التكنولوجية العالمية، قد تغير من مفهوم الهيمنة الرقمية في المستقبل.

تعليق واحد
رائع