
أظهرت دراسة علمية حديثة شارك فيها باحثون من مجموعة من الجامعات العالمية، أن الذروة الحرارية التي حدثت خلال العصر الطباشيري الأوسط قبل نحو 92 مليون سنة أدت إلى تحولات جوهرية في تطور الديناصورات آكلة اللحوم، فانقرضت بعض الأنواع الضخمة لتحل محلها كائنات أخرى أصبحت فيما بعد رمزاً لقوة المفترسات في عالم الديناصورات.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة “Royal Society Open Science“، تسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين التغيرات المناخية الكبرى وتطور الكائنات الحية، وتوضح كيف كانت هذه الفترة نقطة تحول بيئي وتطوري محوري.
الذروة الحرارية الطباشيرية: بيئة متطرفة ولحظة انعطاف بيئي
شهد كوكب الأرض خلال منتصف العصر الطباشيري واحدة من أشد فترات الاحترار المناخي في تاريخه الجيولوجي المعروف. في تلك المرحلة، ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، ما أدى إلى ذوبان الغطاء الجليدي (إن وُجد) وارتفاع مستوى البحار بشكل كبير، مما حوّل العديد من المناطق البرية إلى بيئات بحرية ضحلة غنية بالتنوع البيولوجي.
نتج عن ذلك ازدهار الحياة البحرية، خصوصاً الشعب المرجانية والكائنات الدقيقة، بينما شهدت اليابسة تحوّلات كبيرة في الغطاء النباتي وأنماط المناخ، حيث سيطرت بيئات دافئة ورطبة في بعض المناطق، وبيئات موسمية أو شبه قاحلة في مناطق أخرى.
هذه التغيرات لم تكن محايدة؛ فقد شكّلت ضغوطاً بيئية هائلة على الكائنات البرية، وأدت إلى انقراض عدد من المفترسات الضخمة مثل “الكركارودونتوصورات”، لتفسح المجال أمام ظهور مجموعات جديدة أكثر تكيفاً مع الظروف المتغيرة.
صعود التيرانوصورات والميجارابتورات: مفترسات العصر الجديد
مع انقراض المفترسات العليا السابقة، مثل “الكركارودونتوصورات”، بدأت فترة جديدة في تطور الديناصورات آكلة اللحوم. وبرزت في هذا الفراغ البيئي نوعان جديدان من المفترسات العملاقة:
- التيرانوصورات (Tyrannosauroidea):
- ظهرت في نصف الكرة الشمالي، خصوصاً في منطقة “لاراميديا” بأميركا الشمالية القديمة.
- تميزت بحجمها الضخم وقدرتها على قتل فرائسها بفضل فكها القوي الذي كان يتحمل قوى هائلة.
- كان “تي-ريكس” (Tyrannosaurus rex) آخر وأشهر ممثلي هذه الفصيلة، رغم أنه لم ينشأ في أميركا الشمالية كما كان يعتقد، بل هاجر أسلافه من آسيا عبر جسر بري بين سيبيريا وألاسكا.
- الميجارابتورات (Megaraptora):
- برزت في نصف الكرة الجنوبي، خصوصاً في أمريكا الجنوبية، إضافة إلى أستراليا وإفريقيا.
- تمتلك بنية جسدية فريدة من نوعها: رؤوس نحيفة، وأذرع طويلة تنتهي بمخلبين قاتلين يصل طول كل منهما إلى 35 سم.
- اعتمد هذا النوع على السرعة والدقة بدلاً من القوة الفكية، ربما بسبب طبيعة فرائسه، مثل صغار الديناصورات العاشبة العملاقة.
من الانقراض إلى التطور: كيف غيرت التغيرات المناخية توازن القوة؟
تشير الدراسة إلى أن الانخفاض التدريجي في درجات الحرارة بعد الذروة الحرارية الطباشيرية كان عاملاً مهماً في ظهور هذين الفرعين الجديدين من المفترسات. وربما ساعدهما في التكيّف مع الظروف الجديدة وجود صفات فيسيولوجية متقدمة، مثل الريش عند بعض أسلافهم، أو قدرة أعلى على تنظيم حرارة الجسم.
كما أن غياب أحافير للميجارابتورات في بعض المناطق لا يعني عدم وجودها، بل قد يعكس نقصاً في التنقيب أو عدم توفر بيئة مناسبة لحفظ الأحافير.
مشهد بيئي متعدد الأبعاد
يقول الدكتور ماورو أرنشياجا رولاندو، المؤلف الرئيسي للدراسة من المتحف الأرجنتيني للعلوم الطبيعية:
“مع تفكك قارات جوندوانا، تطورت هذه المفترسات بطرق مختلفة استجابةً للتغيرات الإقليمية والبيئية. وفي أماكن مثل باتاجونيا وأستراليا، أصبحت الميجارابتورات المفترس الأعلى في السلسلة الغذائية.”
وتضيف الدراسة أن العالم في نهاية العصر الطباشيري لم يكن موحداً من حيث المناخ أو الجغرافيا. ففي الشمال، سادت بيئة رطبة ومعتدلة، بينما كانت أجزاء من الجنوب موسمية وشبه قاحلة، مما ساعد في تنويع الديناصورات الأرضية ودفعها نحو مسارات تطورية موازية ولكن مختلفة.
الخلاصة: درس من الماضي لفهم المستقبل
تعتبر هذه الدراسة مثالاً واضحاً على كيفية تأثير التغيرات المناخية الكبرى على تطور الكائنات الحية. فهي لا تقدم فقط رؤية جديدة حول ظهور التيرانوصورات والميجارابتورات، بل تفتح أيضاً نافذة على العلاقة التاريخية بين المناخ والانتقاء الطبيعي، وهي علاقة ما زالت تشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه كوكبنا اليوم.
