
حقق باحثون تقدماً لافتاً في مجال الفيزياء الكمية بعد نجاحهم في استخدام ضوء الشمس لتوليد فوتونات متشابكة كمياً، بدلاً من الاعتماد حصراً على أشعة الليزر المستخدمة عادةً في مثل هذه التجارب.
ويفتح هذا الإنجاز الباب أمام إمكانية تطوير تقنيات كمومية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، خصوصاً في مجالات الاتصالات الكمية والحوسبة الكمية والتشفير وأجهزة الاستشعار فائقة الدقة.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Optica العلمية المحكمة، حيث أظهر الباحثون إمكانية الاستفادة من مصدر طبيعي ومتوافر على نطاق واسع، وهو الشمس، لإنتاج حالات تشابك كمي عالية الجودة.
كيف استخدم العلماء ضوء الشمس لإنتاج التشابك الكمي؟
تعتمد الطرق التقليدية لإنتاج الفوتونات المتشابكة على أشعة ليزر تتميز بدرجة عالية من الترابط والتنظيم. لكن الفريق البحثي اختبر نهجاً مختلفاً، من خلال جمع أشعة الشمس وتركيزها وتوجيهها نحو بلورة بصرية صغيرة قادرة على توليد أزواج من الفوتونات.
ويكتسب هذا الإنجاز أهميته من طبيعة ضوء الشمس نفسه؛ فهو أكثر تشتتاً من ضوء الليزر ويحتوي على نطاق واسع من الأطوال الموجية والاتجاهات.
وقام العلماء باستقطاب ضوء الشمس بحيث تهتز موجاته في اتجاه محدد، مع احتفاظ الضوء بخصائصه غير المترابطة من ناحية اللون واتجاه الانتشار.
ما هو التشابك الكمي؟
يُعد التشابك الكمي (Quantum Entanglement) من أبرز الظواهر في ميكانيكا الكم، إذ يمكن لجسيمين أو أكثر أن يرتبطا بحالة كمية مشتركة، بحيث تظهر قياسات خصائصهما ارتباطات لا يمكن تفسيرها بالكامل باستخدام الفيزياء الكلاسيكية.
وتكتسب هذه الظاهرة أهمية كبيرة لأنها تشكل أساساً لعدد من التقنيات المستقبلية، من بينها شبكات الاتصالات الكمية، وتوزيع مفاتيح التشفير الكمي، والحوسبة الكمية، إضافة إلى أجهزة القياس والاستشعار عالية الحساسية.
لماذا يمثل استخدام ضوء الشمس خطوة مهمة؟
تحتاج الكثير من التجارب والأنظمة الكمية الحالية إلى أجهزة ليزر دقيقة ومستقرة، إلى جانب معدات بصرية وإلكترونية مساندة.
وقد يعني الاعتماد على مصادر طبيعية للضوء، في بعض التطبيقات، إمكانية تقليل بعض متطلبات الطاقة والمعدات المرتبطة بتوليد الضوء المستخدم في الأنظمة الكمية.
وأوضح المؤلف المشارك في الدراسة تشنج لي أن النتائج تشير إلى إمكانية الاستفادة من مصادر الضوء الطبيعية والوفيرة في توليد التشابك الكمي، وهو ما قد يساهم مستقبلاً في جعل بعض التقنيات الكمية أكثر كفاءة من ناحية استهلاك الطاقة وأسهل في التشغيل.
هل تستخدم الأقمار الصناعية ضوء الشمس للتشفير الكمي مستقبلاً؟
من التطبيقات المستقبلية التي ناقشها الباحثون إمكانية الاستفادة من ضوء الشمس في الاتصالات والتشفير الكمي عبر الأقمار الصناعية.
فالأقمار الصناعية تتعرض لضوء الشمس في الفضاء، وقد يسمح استغلال هذا المصدر الطبيعي مستقبلاً بتوليد الضوء الكمي اللازم لبعض تطبيقات توزيع مفاتيح التشفير الآمنة، مع تقليل الاعتماد على بعض أنظمة الليزر والمكونات البصرية الإضافية الموجودة على متن الأقمار الصناعية.
لكن هذه الإمكانية لا تزال ضمن التطبيقات المستقبلية التي تحتاج إلى مزيد من التطوير والاختبارات قبل تحويلها إلى أنظمة عملية.
هل يحتاج التشابك الكمي إلى ضوء الليزر؟
ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن توليد الفوتونات المتشابكة يتطلب ضوءاً مترابطاً، أي ضوءاً تتمتع موجاته بدرجة عالية من الانتظام والتزامن، مثل الضوء الذي تنتجه أجهزة الليزر.
إلا أن أبحاثاً سابقة لفريق روبرت بويد في جامعة أوتاوا أظهرت نظرياً وتجريبياً أن مصادر الضوء غير المترابطة يمكن أن تُستخدم أيضاً لإنتاج فوتونات متشابكة.
ومن بين المصادر التي دُرست سابقاً المصابيح الثنائية الباعثة للضوء (LED)، قبل أن ينتقل الباحثون في التجربة الجديدة إلى مصدر أكثر طبيعية وتعقيداً: ضوء الشمس.
كيف تتحول أشعة الشمس إلى فوتونات متشابكة؟
استخدم الباحثون عملية بصرية غير خطية تُعرف باسم التحويل البارامتري التلقائي إلى ترددات أقل أو Spontaneous Parametric Down-Conversion (SPDC).
وخلال هذه العملية، يتفاعل الضوء مع بلورة بصرية غير خطية، ويمكن لفوتون ذي طاقة أعلى أن يؤدي إلى إنتاج فوتونين بطاقة أقل وفق شروط فيزيائية محددة.
وفي الظروف المناسبة، يمكن أن يحمل الفوتونان الناتجان حالة كمية مترابطة، ما يسمح بتكوين زوج من الفوتونات المتشابكة كمياً.
جهاز خاص لتركيز أشعة الشمس
واجه العلماء تحدياً عملياً مهماً: كيف يمكن جمع كمية مناسبة من أشعة الشمس وتركيزها داخل بلورة لا يتجاوز حجمها بضعة ملليمترات؟
للتعامل مع هذه المشكلة، طوّر فريق من معهد ماكس بلانك لعلوم الضوء في ألمانيا نظاماً لتركيز أشعة الشمس يعتمد على مكوّن زجاجي مخروطي الشكل.
ويبدأ النظام بجمع أشعة الشمس باستخدام عدسة فرينل كبيرة، ثم توجيه الضوء نحو ليف بصري دقيق، قبل تركيزه على البلورة غير الخطية المسؤولة عن عملية إنتاج أزواج الفوتونات.
وسمح هذا التصميم للباحثين بتحويل مصدر ضوئي واسع ومشتت مثل الشمس إلى ضوء يمكن توجيهه بكفاءة نحو منطقة صغيرة للغاية داخل النظام التجريبي.
فوتونات متشابكة بجودة وصلت إلى نحو 94%
أجرى الفريق تجربته في الهواء الطلق في مقر معهد ماكس بلانك، ثم أخضع الفوتونات الناتجة لقياسات متخصصة لتحديد خصائص حالتها الكمية.
وأظهرت النتائج أن حالة التشابك الناتجة باستخدام ضوء الشمس حققت تشابهاً أو وفاءً بنحو 94% مع حالة التشابك المثالية المستخدمة كمرجع.
وتمثل هذه النتيجة دليلاً مهماً على إمكانية إنتاج تشابك كمي عالي الجودة باستخدام مصدر ضوئي طبيعي وغير مترابط مثل الشمس.
اختبار متباينة بيل يدعم وجود التشابك الكمي
لم يعتمد العلماء على نسبة التشابه وحدها للتأكد من طبيعة الفوتونات المنتجة، بل درسوا أيضاً الارتباطات الكمية بينها.
وأفاد الباحثون بأن النتائج أظهرت انتهاكاً لمتباينة بيل (Bell Inequality)، وهو اختبار أساسي في دراسة الأسس الفيزيائية للتشابك الكمي.
ويشير انتهاك متباينة بيل، ضمن شروط الاختبار التجريبي، إلى وجود ارتباطات لا تستطيع النماذج المحلية الكلاسيكية تفسيرها، ما يوفر دليلاً قوياً على الطبيعة الكمية للارتباط بين الفوتونات.
كما وجد الفريق أن قوة التشابك الناتج من ضوء الشمس يمكن أن تكون مماثلة لما تحققه الطرق المعتمدة على الليزر، عند أخذ الاختلافات في النطاق الترددي لمصادر الضوء في الاعتبار.
هل يمكن الاستغناء عن الليزر في التقنيات الكمية؟
لا تعني نتائج الدراسة أن ضوء الشمس سيحل فوراً محل أجهزة الليزر في الحوسبة أو الاتصالات الكمية.
فالتجربة لا تزال إثباتاً أولياً للمفهوم (Proof of Concept)، وهناك تحديات هندسية وعلمية يجب التغلب عليها قبل الوصول إلى تطبيقات تجارية أو أجهزة تعمل بصورة مستقرة خارج البيئات البحثية.
ويعمل الباحثون على زيادة معدل إنتاج الفوتونات وتحسين جودة التشابك، إلى جانب تطوير أنظمة يمكن تشغيلها بصورة عملية خارج المختبر.
نحو مصادر أكثر استدامة للضوء الكمي
تتجاوز أهمية الدراسة مجرد استخدام الشمس بدلاً من الليزر، إذ تقدم دليلاً على أن مصادر الضوء غير المترابطة والطبيعية قد تكون مفيدة في تطبيقات بصرية كمية كان يُعتقد سابقاً أنها تحتاج إلى مصادر ضوئية شديدة التنظيم.
ويرى الباحثون أن المبدأ المستخدم في التجربة قد يمتد مستقبلاً إلى عمليات بصرية غير خطية أخرى، وهو ما قد يفتح مجالاً جديداً لدراسة مصادر طبيعية ومستدامة للضوء الكمي.
وفي حال نجاح العلماء في رفع كفاءة هذه الأنظمة وتصغير مكوناتها، فقد نشهد مستقبلاً تقنيات كمية تستفيد مباشرة من الطاقة والضوء المتاحين في البيئة المحيطة، سواء على سطح الأرض أو في الفضاء.
أسئلة شائعة حول التشابك الكمي وضوء الشمس
هل يمكن لضوء الشمس إنتاج فوتونات متشابكة كمياً؟
نعم. أظهرت التجربة أن ضوء الشمس يمكن استخدامه كمصدر لتوليد أزواج من الفوتونات المتشابكة عبر عملية بصرية غير خطية داخل بلورة مخصصة لذلك.
ما نسبة جودة التشابك التي حققتها التجربة؟
أظهرت القياسات أن الحالة الناتجة حققت وفاءً بنحو 94% مقارنة بالحالة المتشابكة المثالية المستخدمة مرجعاً في الدراسة.
لماذا تستخدم أجهزة الليزر عادةً في التجارب الكمية؟
توفر أجهزة الليزر ضوءاً يتمتع بدرجة مرتفعة من الترابط والاستقرار وإمكانية التحكم، وهي خصائص تجعلها مناسبة للعديد من التجارب والتطبيقات الكمية الدقيقة.
ما أهمية استخدام الشمس بدلاً من الليزر؟
قد يساهم استخدام مصادر الضوء الطبيعية في تقليل بعض متطلبات الطاقة والمعدات في تطبيقات محددة، كما يفتح الباب أمام تصميم أنظمة كمية تعتمد على مصادر ضوئية متاحة طبيعياً.
ما التطبيقات المحتملة لهذه التقنية؟
قد تشمل التطبيقات المستقبلية الاتصالات الكمية، وتوزيع مفاتيح التشفير الكمي، والأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار والقياس عالية الدقة، إلى جانب تطبيقات أخرى في البصريات الكمية.
هل التقنية جاهزة للاستخدام التجاري؟
لا. ما تحقق حتى الآن هو إثبات للمفهوم، ولا يزال الباحثون بحاجة إلى زيادة كفاءة إنتاج الفوتونات وتحسين النظام قبل الانتقال إلى تطبيقات عملية واسعة النطاق.
