
لا تتوقف فوائد النوم على عدد الساعات التي يقضيها الإنسان في الفراش، إذ تشير دراسة واسعة إلى أن جودة النوم ومراحله وانتظامه قد تكون عوامل مهمة لفهم علاقته بالصحة وخطر الإصابة بالأمراض.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية PLOS Medicine، أن النوم لفترات قصيرة للغاية ارتبط بزيادة مخاطر مجموعة واسعة من الحالات الصحية، في حين ارتبط قضاء وقت أطول في بعض مراحل النوم، وعلى رأسها نوم حركة العين السريعة (REM) والنوم العميق، بانخفاض خطر الإصابة بعدد من الأمراض.
وتشير النتائج إلى أن تقييم النوم لا ينبغي أن يقتصر على سؤال واحد هو: كم ساعة تنام؟، بل قد يتطلب النظر كذلك إلى مراحل النوم، ومدى انتظام مواعيده، ومدة الاستيقاظ أثناء الليل.
النوم أقل من 5 ساعات وعلاقته بخطر الأمراض
وجد الباحثون أن الأشخاص الذين ينامون أقل من 5 ساعات ليلًا كانوا أكثر عرضة لمجموعة واسعة من المشكلات الصحية.
وأظهرت النتائج أن هذا النمط من النوم ارتبط بزيادة احتمالات الإصابة بـ 37 حالة مرضية.
وفي المقابل، كشفت الدراسة عن علاقة غير خطية بين مدة النوم والعديد من الأمراض، إذ حدد الباحثون 86 حالة صحية ارتبط خطرها بمدة النوم بهذه الصورة.
وكان أقل مستوى للخطر في 69 من هذه الحالات لدى الأشخاص الذين تراوحت مدة نومهم بين 6 و8 ساعات في الليلة.
ولا تعني هذه النتائج بالضرورة أن النوم لعدد معين من الساعات يمنع الإصابة بهذه الأمراض، لكنها تكشف عن ارتباط إحصائي يستحق الاهتمام عند دراسة العلاقة بين النوم والصحة.
جودة النوم لا تعتمد على عدد الساعات فقط
تكشف الدراسة أن النظر إلى إجمالي مدة النوم وحدها قد لا يقدم صورة كاملة عن صحة النوم.
فالإنسان يمر خلال الليل بمراحل مختلفة، تشمل النوم الخفيف والنوم العميق ومرحلة حركة العين السريعة REM، التي تحدث خلالها معظم الأحلام.
ووجد الباحثون ارتباطات بين المدة التي يقضيها الأشخاص في بعض هذه المراحل وبين احتمالات الإصابة بعدد من الحالات الصحية.
كما ظهر أن انتظام النوم ومقدار الوقت الذي يبقى فيه الشخص مستيقظًا بعد بدء النوم قد يحملان بدورهما مؤشرات صحية مهمة.
نوم حركة العين السريعة وعلاقته بالصحة
كانت مرحلة نوم حركة العين السريعة من أبرز الجوانب التي تناولها الباحثون.
وأظهرت النتائج أن زيادة مدة نوم حركة العين السريعة بنحو 47.6 دقيقة ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بـ83 حالة مرضية.
ومن بين الأمثلة التي رصدتها الدراسة قصور القلب والخرف ومرض باركنسون.
وبالنسبة إلى قصور القلب، بلغ معدل الخطر 0.74، وهو ما يعادل انخفاضًا نسبيًا بنحو 26%، بينما بلغ معدل الخطر 0.54 بالنسبة إلى الخرف و0.20 بالنسبة إلى مرض باركنسون.
لكن هذه الأرقام تحتاج إلى تفسير حذر.
فالنتائج لا تثبت أن زيادة نوم حركة العين السريعة تمنع الإصابة بقصور القلب أو الخرف أو باركنسون، وإنما تصف قوة الارتباط الإحصائي الذي ظهر في بيانات الدراسة.
ما أهمية النوم العميق؟
لم تقتصر النتائج على مرحلة حركة العين السريعة، إذ وجد الباحثون أيضًا ارتباطًا بين الحصول على وقت أطول من النوم العميق وانخفاض خطر سبع حالات صحية.
وكان من بينها مرض السكري من النوع الثاني واضطراب الاكتئاب الشديد.
وتدعم هذه النتائج فكرة أن جودة النوم قد تكون أكثر تعقيدًا من مجرد حساب عدد الساعات، وأن توزيع الوقت بين مراحل النوم المختلفة قد يوفر معلومات إضافية عند دراسة الحالة الصحية للإنسان.
دراسة شملت أكثر من 95 ألف شخص
استند الباحثون إلى بيانات 95,559 مشاركًا ضمن مشروع البنك الحيوي البريطاني UK Biobank.
وللحصول على قياسات أكثر موضوعية لأنماط النوم، ارتدى المشاركون أجهزة لقياس الحركة حول المعصم لمدة 7 أيام متواصلة.
وساعدت هذه الطريقة الباحثين على جمع بيانات عن النوم بدلًا من الاعتماد فقط على تقديرات المشاركين الشخصية لعدد الساعات التي ينامونها.
بعد ذلك، استخدم الفريق البحثي خوارزمية تعتمد على التعلم العميق لتحليل البيانات وتقدير مجموعة من مؤشرات النوم.
وشملت هذه المؤشرات إجمالي مدة النوم، والوقت الذي يقضيه الشخص في نوم حركة العين السريعة، والنوم العميق، والنوم الخفيف، إضافة إلى مدة الاستيقاظ بعد بداية النوم ومدى انتظام مواعيد النوم بين ليلة وأخرى.
متابعة صحية امتدت لسنوات
لم يكتف الباحثون بقياس أنماط النوم خلال فترة ارتداء الأجهزة، بل تابعوا بعد ذلك السجلات الصحية للمشاركين.
وبلغ وسيط فترة المتابعة 8.9 سنوات.
وخلال هذه الفترة، درس الباحثون العلاقة بين أنماط النوم وظهور أكثر من 1000 حالة مرضية مختلفة.
وبعد تطبيق تصحيح إحصائي صارم يأخذ في الاعتبار العدد الكبير من المقارنات التي أجريت، توصل التحليل إلى 156 علاقة ذات دلالة إحصائية.
وتمنح هذه المنهجية الدراسة نطاقًا واسعًا لفحص العلاقة بين خصائص النوم والحالة الصحية، مع بقاء القيود المرتبطة بطبيعتها الرصدية.
عدم انتظام النوم قد يكون مؤشرًا مهمًا
من النتائج اللافتة أيضًا أن عدم انتظام مواعيد النوم من ليلة إلى أخرى ارتبط بزيادة خطر عدد من الحالات الصحية.
وظهر ارتباط مماثل لدى الأشخاص الذين يقضون فترات أطول مستيقظين بعد الدخول في النوم.
ومن بين الحالات التي ارتبطت بهذه الأنماط اضطرابات القلق واضطرابات تعاطي المواد.
وتشير هذه النتيجة إلى أن النوم المتقطع أو غير المنتظم قد يقدم معلومات عن الصحة لا يمكن الحصول عليها عند النظر إلى إجمالي ساعات النوم فقط.
وبالتالي، فإن شخصين ينام كل منهما العدد نفسه من الساعات قد تكون لديهما أنماط مختلفة من حيث الاستمرارية والانتظام ومراحل النوم.
هل النوم من 6 إلى 8 ساعات هو الأفضل؟
أظهرت الدراسة أن أقل مستوى من الخطر بالنسبة إلى العديد من الحالات التي شملها التحليل ظهر ضمن نطاق يتراوح بين 6 و8 ساعات من النوم ليلًا.
لكن لا ينبغي تفسير ذلك باعتباره وصفة طبية موحدة تنطبق على جميع الأشخاص.
فالنتائج تصف ارتباطات إحصائية ظهرت لدى المشاركين في الدراسة، ولا تثبت أن النوم ضمن هذا النطاق وحده هو المسؤول مباشرة عن انخفاض احتمالات الإصابة بالأمراض.
وفي المقابل، برز النوم لأقل من خمس ساعات باعتباره النمط المرتبط بزيادة المخاطر في عدد كبير من الحالات التي جرى تحليلها.
لماذا لا تثبت الدراسة أن قلة النوم تسبب الأمراض؟
من أهم النقاط التي أكد عليها الباحثون أن الدراسة رصدية.
وهذا يعني أنها تستطيع اكتشاف العلاقات بين أنماط النوم والأمراض، لكنها لا تستطيع إثبات أن قلة النوم العميق أو قلة نوم حركة العين السريعة هي السبب المباشر في الإصابة بمرض معين.
وقد تكون هناك عوامل أخرى مرتبطة بصحة المشاركين أو أنماط حياتهم تؤثر في هذه العلاقات.
لذلك يجب التفريق بين الارتباط والسببية عند تفسير النتائج.
فعندما تشير الدراسة إلى ارتباط مدة أطول من نوم حركة العين السريعة بانخفاض خطر مرض معين، فإن ذلك لا يعني أن زيادة هذه المرحلة من النوم ستمنع المرض بالضرورة.
ما الذي تكشفه الدراسة عن النوم والصحة؟
توسع النتائج مفهوم النوم الصحي من التركيز على عدد الساعات فقط إلى صورة أكثر شمولًا تشمل مدة النوم وجودته ومراحله وانتظامه.
فالمدة الإجمالية مهمة، لكن الدراسة تشير إلى أن النوم العميق، ونوم حركة العين السريعة، والاستيقاظ أثناء الليل، وانتظام مواعيد النوم قد تكون جميعها عناصر تستحق الاهتمام عند دراسة العلاقة بين النوم والصحة.
كما تلفت النتائج الانتباه بصورة خاصة إلى النوم القصير للغاية، إذ ارتبط النوم لأقل من خمس ساعات بزيادة احتمالات الإصابة بعشرات الحالات المرضية.
وفي الوقت نفسه، تبقى هذه النتائج علاقات إحصائية رصدية تحتاج إلى تفسير علمي حذر، ولا تعني أن تغيير نمط النوم وحده سيمنع الإصابة بالأمراض.
الخلاصة
تشير الدراسة إلى أن صحة النوم لا تُقاس بعدد الساعات فقط.
فقد ارتبط النوم أقل من 5 ساعات بزيادة خطر 37 حالة مرضية، بينما ظهر أقل مستوى من الخطر للعديد من الأمراض لدى من تراوحت مدة نومهم بين 6 و8 ساعات.
كما ارتبطت مدة أطول من نوم حركة العين السريعة بانخفاض خطر عشرات الحالات الصحية، وارتبط النوم العميق بانخفاض خطر عدد من الاضطرابات، في حين ارتبط عدم انتظام النوم والاستيقاظ لفترات أطول أثناء الليل بزيادة مخاطر صحية أخرى.
ومع ذلك، تبقى الدراسة رصدية ولا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين أنماط النوم وهذه الأمراض.
والرسالة الأساسية التي تقدمها النتائج هي أن فهم النوم قد يحتاج إلى النظر إلى المدة والجودة والمراحل والانتظام معًا، بدلًا من التركيز على عدد ساعات النوم وحده.
