
واصلت الجزائر تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي وضمان استقرار إمدادات الحبوب، بعدما أبرم الديوان المهني للحبوب، الجهة الحكومية المسؤولة عن استيراد الحبوب في البلاد، صفقة كبيرة لشراء كميات ضخمة من قمح الطحين عبر مناقصة دولية، في خطوة تعكس استمرار اهتمام الجزائر بتأمين احتياجاتها من القمح وسط تقلبات الأسواق العالمية.
وتشير تقديرات المتعاملين في الأسواق الأوروبية إلى أن حجم المشتريات تراوح بين 540 ألف طن و720 ألف طن، في حين لم تُعلن الجهات الرسمية حتى الآن الكمية النهائية، وهو أمر معتاد في المناقصات التي ينظمها الديوان المهني للحبوب.
تقديرات متباينة حول الكمية النهائية للصفقة
بحسب متعاملين أوروبيين، فإن التقديرات الأولية رجحت أن تكون الجزائر قد تعاقدت على شراء نحو 720 ألف طن من قمح الطحين، إلا أن تقديرات لاحقة أشارت إلى أن الكمية الفعلية قد تكون أقرب إلى 540 ألف طن.
ويُعرف عن المناقصات الجزائرية أنها لا تكشف عادةً عن تفاصيل الكميات والأسعار بصورة رسمية فور إغلاقها، ما يجعل تقديرات شركات التجارة العالمية المصدر الرئيسي للمعلومات في الساعات الأولى بعد انتهاء المناقصة.
أسعار القمح في المناقصة الجديدة
أظهرت البيانات الأولية أن الأسعار التي رست عليها المناقصة تراوحت بين 289 و290 دولارًا للطن شاملاً تكلفة الشحن والتأمين (C&F)، فيما أشار عدد من المتعاملين إلى أن أعلى سعر تم تسجيله بلغ نحو 289.5 دولارًا للطن.
وتأتي هذه الأسعار في ظل استمرار حالة التذبذب التي تشهدها أسواق الحبوب العالمية، نتيجة عوامل متعددة تشمل تطورات الطقس، ومستويات الإنتاج، والتوترات الجيوسياسية التي تؤثر على حركة التجارة البحرية وسلاسل الإمداد.
رومانيا وبلغاريا في صدارة الموردين المتوقعين
ورغم أن المناقصة الجزائرية تسمح بالتوريد من مناشئ اختيارية، فإن تقديرات المتعاملين تشير إلى أن رومانيا وبلغاريا ستكونان من أبرز الموردين المتوقعين لتنفيذ العقود.
في المقابل، ورغم وجود عروض من القمح الروسي بأسعار تنافسية، فإنها لم تحظَ بالأولوية خلال هذه المناقصة، ويُرجع متعاملون ذلك إلى المخاوف المتعلقة بسلامة حركة الشحن في البحر الأسود، بعد الهجمات التي استهدفت الموانئ ومسارات الملاحة الروسية خلال الفترة الأخيرة، وهو ما دفع العديد من المشترين إلى تفضيل مصادر توريد أكثر استقرارًا.
جدول الشحن وفق شروط المناقصة
حددت الجزائر جدولًا زمنيًا واضحًا لتوريد شحنات القمح، حيث سيتم التسليم من مناطق التوريد الرئيسية، وعلى رأسها أوروبا، خلال ثلاث مراحل هي:
- من 15 إلى 30 سبتمبر.
- من 1 إلى 15 أكتوبر.
- من 16 إلى 31 أكتوبر.
أما في حال كان منشأ القمح من أميركا الجنوبية أو الهند أو أستراليا، فيتعين تنفيذ عمليات الشحن قبل هذه المواعيد بحوالي شهر، بما يتوافق مع فترات النقل البحري الطويلة.
مقارنة مع المناقصة السابقة
تعكس المناقصة الأخيرة تغيرًا ملحوظًا في مستويات الأسعار مقارنة بالمناقصة السابقة التي أجرتها الجزائر في 17 يونيو، والتي اشترت خلالها أكثر من 800 ألف طن من القمح اللين بأسعار تراوحت بين 264 و265 دولارًا للطن شاملاً التكلفة والشحن.
ويشير هذا الفارق إلى ارتفاع أسعار الشراء في المناقصة الجديدة، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التي تواجه أسواق الحبوب العالمية، سواء بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد أو التغيرات في تكاليف النقل والشحن البحري.
لماذا تواصل الجزائر شراء كميات كبيرة من القمح؟
تُعد الجزائر من أكبر الدول المستوردة للقمح في العالم، إذ تعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية لتلبية احتياجاتها من الحبوب، خاصة القمح المستخدم في صناعة الخبز والمنتجات الغذائية الأساسية.
وتسعى الحكومة الجزائرية إلى الحفاظ على مخزون استراتيجي كافٍ من القمح لتأمين السوق المحلية، وتقليل تأثير تقلبات الأسعار العالمية أو أي اضطرابات قد تصيب سلاسل الإمداد الدولية.
كما تساعد المناقصات الدورية التي يطرحها الديوان المهني للحبوب في تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز القدرة على الحصول على أفضل العروض السعرية والجودة المناسبة.
نظرة مستقبلية
يرى متابعون لأسواق الحبوب أن الأسعار والكميات النهائية لهذه الصفقة قد تشهد مراجعات خلال الأيام المقبلة، مع ظهور بيانات إضافية من شركات التجارة العالمية، خاصة أن التقديرات الأولية في مثل هذه المناقصات تكون قابلة للتعديل.
وفي ظل استمرار التقلبات في أسواق الغذاء العالمية، من المتوقع أن تواصل الجزائر تنفيذ سياسة شراء مرنة تعتمد على تنويع المناشئ ومراقبة تحركات الأسعار، بما يضمن استقرار الإمدادات الغذائية والمحافظة على الأمن الغذائي للبلاد.
