
في قصر فخم تحيط به الحدائق شمال لندن، عاش عدد من كبار الضباط الألمان الأسرى خلال الحرب العالمية الثانية في ظروف أثارت شعورهم بالراحة والأمان.
غرف أنيقة، مكتبة، خدم، دروس في اللغة الإنجليزية، وأجواء لا تشبه كثيرًا ما قد يتوقعه المرء من مكان لاحتجاز أسرى عسكريين.
لكن خلف هذه الفخامة كان البريطانيون يديرون عملية استخباراتية شديدة السرية.
فبينما كان الضباط يتبادلون الأحاديث داخل القصر معتقدين أن كلماتهم لا يسمعها أحد، كانت أجهزة مخفية تلتقط ما يقولونه، وكان فريق يعمل في الطابق السفلي يستمع إلى المحادثات ويسجل المعلومات المهمة.
إنها قصة قصر ترنت بارك (Trent Park)، أحد أكثر المواقع الاستخباراتية إثارة خلال الحرب العالمية الثانية.
ما قصة قصر ترنت بارك؟
يقع قصر ترنت بارك شمال لندن، وارتبط قبل الحرب بالسير فيليب ساسون، السياسي البريطاني وجامع الأعمال الفنية الذي ورث القصر عام 1912.
وفي عشرينيات القرن الماضي أعاد ساسون تصميم أجزاء واسعة من القصر على الطراز الجورجي الجديد، ليصبح المكان معروفًا بأناقته وديكوراته الفاخرة وأعماله الفنية.
لكن التاريخ كان على موعد مع تحول كبير.
توفي ساسون في يونيو/حزيران 1939، وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، استولت الحكومة البريطانية على القصر.
ومن هنا بدأت قصة مختلفة تمامًا.
خطة بريطانية للحصول على أسرار الضباط الألمان
كان المسؤول الاستخباراتي البريطاني توماس كندريك يبحث عن مكان مناسب يمكن استخدامه للحصول على معلومات من أسرى الحرب الألمان بعيدًا عن الأساليب التقليدية.
وكان الموقع المطلوب بحاجة إلى قدر كبير من السرية، وأن يكون بعيدًا بما يكفي عن وسط لندن ومخاطر القصف.
وجد كندريك في ترنت بارك المكان المناسب لتنفيذ فكرته.
لكن الخطة لم تعتمد على تحويل القصر إلى سجن قاسٍ.
على العكس تمامًا.
كان المطلوب أن يشعر الضباط الأسرى بالراحة، لأن الإنسان عندما يعتقد أنه بعيد عن المراقبة قد يتحدث بحرية أكبر.
وهنا تكمن عبقرية العملية.
أجهزة استماع مخفية في أنحاء القصر
جرى تجهيز أجزاء واسعة من ترنت بارك بوسائل تنصت سرية.
أُخفيت الميكروفونات في أماكن مختلفة داخل القصر؛ من أحواض النباتات وتجهيزات الإضاءة إلى المناطق القريبة من طاولة البلياردو، ووصل الأمر إلى وضع وسائل للاستماع في بعض الأماكن الخارجية.
وفي الخلفية كانت هناك شبكة من الأسلاك تمتد خلف الجدران وتحت ألواح الأرضيات.
كانت تلك الأسلاك تنقل الأصوات إلى غرف خاصة في الطابق السفلي، حيث جلس المستمعون لمتابعة أحاديث الأسرى وتسجيل ما يمكن أن يحمل قيمة استخباراتية.
كان الضباط يتحدثون في الأعلى…
بينما كان آخرون يستمعون إليهم في الأسفل.
لماذا لم يشك الضباط في الأمر؟
كان الجانب النفسي من العملية لا يقل أهمية عن الجانب التقني.
فبدلًا من وضع الأسرى في بيئة تجعلهم دائمًا في حالة تأهب، ساعدت الأجواء المريحة داخل القصر على منحهم شعورًا بالأمان.
كان لبعض الضباط خدم عسكريون وقعوا في الأسر معهم، كما توفرت مكتبة ودروس في اللغة الإنجليزية، ونُظمت أحيانًا رحلات إلى المدينة.
ومع مرور الوقت، أصبح بعضهم يتحدث بصورة أكثر تلقائية.
والمثير أن الضباط الألمان كانوا يعرفون أصلًا أن التنصت عليهم بعد وقوعهم في الأسر أمر محتمل، لكن بعضهم اقتنع بأن البريطانيين لا يفعلون ذلك داخل ترنت بارك.
وهذا الاعتقاد كان أحد أهم مفاتيح نجاح العملية.
«لورد» مزيف يدخل على الخط
لم تعتمد الخطة البريطانية على التكنولوجيا وحدها.
فقد ظهر أمام الأسرى رجل قُدّم في صورة أرستقراطي إسكتلندي يُدعى اللورد أبيرفيلدي.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
فالشخصية كانت غطاءً يؤديه ضابط تحقيقات شاب، وكان يتعامل مع الأسرى بطريقة تساعد على كسب ثقتهم ودفعهم إلى الحديث.
وكان يظهر أمامهم وكأنه يحمل تعاطفًا خفيًا مع القيادة الألمانية، الأمر الذي شجع بعضهم على الحديث بحرية أكبر.
وكلما تحدثوا، كانت آذان أخرى تستمع من مكان لا يرونه.
اللاجئون الناطقون بالألمانية ودورهم السري
في المراحل الأولى للعملية، كان بعض المستمعين من البريطانيين الذين تعلموا الألمانية أكاديميًا.
لكن مع مرور الوقت ظهرت مشكلة مهمة.
فالمحادثات العسكرية لا تعتمد على اللغة الرسمية فقط، بل تتضمن لهجات ومصطلحات متخصصة وتعبيرات عامية يصعب على غير الناطقين الأصليين فهمها بدقة.
لذلك استعانت بريطانيا بلاجئين ناطقين بالألمانية قدموا من ألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا، وكان من بينهم عدد من اللاجئين اليهود الذين فروا من الاضطهاد في أوروبا.
ومن الأسماء المرتبطة بالعملية إرنست ليدرير، الذي فر من تشيكوسلوفاكيا عام 1939 وأصبح لاحقًا واحدًا من المستمعين السريين في ترنت بارك.
وكانت السرية شديدة لدرجة أن بعض أفراد عائلات المشاركين لم يعرفوا حقيقة طبيعة عملهم.
العلاقة بين ترنت بارك وبليتشلي بارك
لم تكن المعلومات التي تُجمع داخل القصر معزولة عن بقية النشاط الاستخباراتي البريطاني.
فقد كان هناك تبادل للمعلومات مع بليتشلي بارك (Bletchley Park)، المركز الذي ارتبط بعمليات فك الشفرات والاتصالات الألمانية خلال الحرب.
وفي عام 1941، التقطت إحدى المحادثات في ترنت بارك معلومات عن نظام ملاحة تستخدمه القاذفات الليلية للمساعدة في إصابة أهدافها.
وبعد مقارنة المعلومات بما توصل إليه محللو الشفرات، حصلت الاستخبارات الجوية البريطانية على معلومات ساعدتها في جهود التشويش على الإشارات.
لكن واحدة من أهم المفاجآت كانت مرتبطة ببرنامج أسلحة ألماني سري.
أسرار برنامج الصواريخ الألماني
كانت ألمانيا تطور خلال الحرب تقنيات صاروخية متقدمة هدفت إلى ضرب مدن الحلفاء من مسافات بعيدة.
ومن أشهر الأسلحة الناتجة عن هذه البرامج V1 وV2.
وساعدت المحادثات التي جرى الاستماع إليها في ترنت بارك في الكشف عن معلومات مهمة تتعلق بتطوير هذه الأسلحة، ومن بينها معلومات عن صاروخ V2 بعيد المدى.
وأصبحت منشأة بينيمونده (Peenemünde) على ساحل بحر البلطيق، وهي مركز رئيسي للأبحاث والاختبارات الصاروخية الألمانية، هدفًا بالغ الأهمية.
وفي أغسطس/آب 1943 تعرضت المنشأة لقصف من الحلفاء.
وكان تعطيل برنامج الصواريخ وتأخير تطوره ذا أهمية كبيرة مع اقتراب الحرب من مراحلها الحاسمة.
متى وصلت صواريخ V1 وV2 إلى لندن؟
وصل أول هجوم بصاروخ V1 على لندن في 13 يونيو/حزيران 1944، بعد أيام قليلة من إنزال قوات الحلفاء في نورماندي.
أما V2، الذي يُعد محطة مهمة في تاريخ تطور الصواريخ الباليستية، فسقط أول صاروخ منه على لندن في 8 سبتمبر/أيلول 1944.
وبحلول ذلك الوقت، كانت بريطانيا قد حصلت بالفعل على معلومات مهمة بشأن البرنامج الألماني.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية لعملية ترنت بارك.
فالأحاديث التي ربما بدت عادية للأسرى كان من الممكن أن تتحول، بعد تحليلها وربطها بمصادر استخباراتية أخرى، إلى معلومة عسكرية بالغة الأهمية.
التسجيلات تكشف حقائق صادمة
لم تتوقف المحادثات عند الخطط والأسلحة والتقنيات العسكرية.
فقد استمع الفريق أيضًا إلى أحاديث تتعلق بالجرائم والانتهاكات الواسعة التي ارتُكبت في أوروبا خلال تلك الفترة.
وكان وقع هذه المعلومات شديدًا بصورة خاصة على المستمعين اليهود الذين فر بعضهم من الاضطهاد وفقد بعضهم أفرادًا من عائلاتهم.
لكن هذه المعلومات وضعت بريطانيا لاحقًا أمام معضلة كبيرة.
لماذا بقيت أسرار ترنت بارك مخفية؟
بعد انتهاء الحرب، كان الكشف عن التسجيلات يعني أيضًا الكشف عن الوسائل التي استخدمتها الاستخبارات البريطانية للحصول عليها.
وكانت بريطانيا حريصة على حماية تقنيات وأساليب التنصت التي أثبتت فاعليتها.
وفي الوقت نفسه كان العالم يدخل سريعًا مرحلة جديدة من التوتر الدولي عُرفت لاحقًا باسم الحرب الباردة.
لهذا ظلت أجزاء مهمة من قصة ترنت بارك بعيدة عن الجمهور لسنوات طويلة.
واستمر استخدام الموقع لأغراض التنصت حتى نوفمبر/تشرين الثاني 1945.
من مركز سري إلى متحف
بعد مرور عقود، بدأت القصة الكاملة للقصر تظهر بصورة أوسع.
وأُعيد إنشاء أجزاء من التصميمات الداخلية، بما في ذلك بعض المساحات المرتبطة بعملية الاستماع السرية، ليتمكن الزوار من التعرف على ما جرى داخل المكان خلال واحدة من أخطر فترات القرن العشرين.
وأصبح ترنت بارك اليوم شاهدًا على نوع مختلف من الحروب؛ حرب المعلومات.
كيف ساعد ترنت بارك في تغيير مسار التاريخ؟
لم تكن قوة العملية في أجهزة التنصت وحدها.
كانت قوتها الحقيقية في فهم السلوك البشري.
فقد أدرك المسؤولون عن العملية أن الضابط الذي يرفض كشف المعلومات أثناء التحقيق قد يتحدث عنها بصورة طبيعية أمام زميل يعتقد أنه يثق به.
لذلك وفرت بريطانيا للأسرى بيئة مريحة، وأخفت وسائل الاستماع، وانتظرت.
والنتيجة كانت تدفق معلومات عن الطيران والتقنيات العسكرية وبرامج الصواريخ وغيرها من التفاصيل التي ساعدت الاستخبارات البريطانية على فهم ما يجري خلف خطوط الخصم.
وهكذا تحول قصر أرستقراطي هادئ شمال لندن إلى واحد من أشهر المواقع المرتبطة بتاريخ التجسس في الحرب العالمية الثانية.
لم يكن السر في إجبار الأسرى على الكلام، بل في جعلهم يعتقدون أن لا أحد يستمع إليهم.
