
كشفت دراسة فلكية حديثة عن حدث بالغ الأهمية وقع خلال المراحل الأولى من تشكل مجرة درب التبانة، إذ توصل علماء إلى أدلة تشير إلى أن مجرتنا ابتلعت مجرة قزمة أصغر قبل نحو 11.8 مليار سنة، في حدث يُعتقد أنه يمثل أقدم اندماج مجري معروف في تاريخ درب التبانة.
وتقدم النتائج صورة أكثر وضوحاً عن الطريقة التي تحولت بها درب التبانة من مجرة ناشئة إلى المجرة الحلزونية الضخمة التي نعرفها اليوم، والتي تضم مئات المليارات من النجوم، ومن بينها الشمس.
أقدم اندماج مجري معروف في درب التبانة
بحسب الدراسة المنشورة في دورية Nature Astronomy، وقع الاندماج عندما كان عمر الكون أقل من 15% من عمره الحالي، أي في حقبة مبكرة للغاية من التاريخ الكوني.
وتشير النتائج إلى أن نمو مجرة درب التبانة لم يعتمد فقط على تكوين النجوم داخلها، وإنما حدث أيضاً من خلال ابتلاع واندماج مجرات أصغر وقعت تحت تأثير جاذبيتها.
وصنّف العلماء المجرة التي اندمجت مع درب التبانة على أنها مجرة قزمة، وهي فئة من المجرات أصغر بكثير من المجرات الكبيرة مثل مجرتنا.
ويُشار إلى هذا النظام المجري القديم باسم LKH.
مجرة قزمة ساهمت في نمو درب التبانة
قدّر الباحثون أن المجرة القزمة كانت تحتوي، وقت اندماجها مع درب التبانة، على نجوم تبلغ كتلتها الإجمالية نحو 500 مليون مرة كتلة الشمس.
وبحسب التقديرات، كان ذلك يعادل قرابة 25% من حجم درب التبانة في ذلك الوقت، ما يعني أن عملية الاندماج لم تكن حدثاً هامشياً، بل ربما لعبت دوراً أساسياً في المراحل المبكرة من نمو المجرة.
وتوفر هذه النتيجة دليلاً جديداً على أن تاريخ درب التبانة تشكل عبر سلسلة طويلة ومعقدة من عمليات تكوين النجوم والاندماجات مع المجرات الأصغر.
تلسكوبا هابل وجايا يكشفان أسرار الماضي
اعتمد العلماء في الدراسة على بيانات ومشاهدات من تلسكوبي هابل وجايا الفضائيين، لدراسة مجموعة من العناقيد النجمية الموجودة في المناطق الداخلية من مجرة درب التبانة.
ويحتوي كل عنقود من هذه العناقيد على مئات الآلاف من النجوم، بينما تقع العناقيد التي خضعت للدراسة ضمن منطقة تمتد عبر أعمق 20 ألف سنة ضوئية من المجرة.
وحلل الباحثون عدة خصائص لهذه النجوم، من بينها:
- أعمار النجوم.
- تركيبها الكيميائي.
- مسارات حركتها داخل المجرة.
ومن خلال الجمع بين هذه البيانات، تمكن الفريق من إعادة بناء جزء من التاريخ المبكر لدرب التبانة والعثور على بصمات الاندماج المجري القديم.
والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء خلال عام واحد، وتبلغ نحو 9.5 تريليون كيلومتر.
اندماج وقع بعد نحو ملياري سنة من الانفجار العظيم
تشير نتائج الدراسة إلى أن النجوم التابعة للمجرة القزمة القديمة أصبحت جزءاً من درب التبانة بعد عملية الاندماج التي حدثت بعد نحو ملياري سنة من الانفجار العظيم.
ووصف عالم الفيزياء الفلكية دافيدي ماساري، من المعهد الوطني للفيزياء الفلكية في بولونيا بإيطاليا وقائد الدراسة، النتيجة بأنها دليل حاسم على أول حدث اندماج شهدته المجرة خلال طفولتها.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة بسبب الجدل العلمي حول الآلية التي قادت النمو المبكر لمجرة درب التبانة: هل كان تكوين النجوم داخل المجرة العامل الرئيسي، أم أن الاندماجات مع مجرات أخرى أدت دوراً أساسياً في زيادة كتلتها وحجمها؟
وتدعم الدراسة الجديدة بقوة أهمية الاندماجات المجرية في بناء درب التبانة خلال تاريخها المبكر.
كيف غيّر الاندماج مجرة درب التبانة؟
لم يضف الاندماج القديم مجموعة جديدة من النجوم إلى مجرتنا فحسب، بل تشير الدراسة إلى أنه زود درب التبانة أيضاً بكميات من الغاز بين النجمي الذي يمثل مادة أساسية لولادة أجيال جديدة من النجوم.
كما يُعتقد أن المجرة القزمة جلبت معها كمية من المادة المظلمة، وهي المادة الغامضة التي لا يمكن رصدها مباشرة بالضوء، لكن العلماء يستدلون على وجودها من خلال تأثيراتها الجاذبية.
وأوضح ماساري أن الاندماج كان هادئاً نسبياً من منظور النجوم، إذ إن المسافات الهائلة بينها تجعل الاصطدام المباشر بين نجم وآخر أمراً نادراً للغاية.
لكن المشهد كان مختلفاً بالنسبة إلى الغاز.
فاصطدام الغاز الموجود في المجرة القزمة بغاز درب التبانة ربما أدى إلى مرحلة أكثر عنفاً ونشاطاً، وأسهم على الأرجح في إطلاق موجة قوية من تكوين النجوم الجديدة.
أين توجد نجوم المجرة القزمة اليوم؟
بعد مرور نحو 11.8 مليار سنة على الحدث، قد لا تزال أعداد كبيرة من النجوم التي نشأت في المجرة القزمة القديمة موجودة في المناطق الداخلية من درب التبانة.
ويعتقد العلماء أن بعض هذه النجوم ربما يوجد حالياً داخل عناقيد نجمية، إلا أن تحديد النجوم الفردية المرتبطة بالمجرة القديمة يمثل تحدياً كبيراً.
ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى الكميات الضخمة من الغبار بين النجمي الموجودة باتجاه المناطق المركزية من درب التبانة، والتي تعيق عمليات الرصد الفلكي.
تاريخ درب التبانة مليء بالاندماجات المجرية
لم يكن هذا الاندماج القديم الحدث الوحيد من نوعه في تاريخ مجرتنا.
فقد شهدت درب التبانة لاحقاً اندماجات كبيرة أخرى أسهمت في تشكيل بنيتها الحالية.
ومن أبرزها اندماجها مع المجرة القزمة المعروفة باسم جايا-سوسيدج-إنسيلادوس (Gaia-Sausage-Enceladus)، والذي وقع بعد نحو 1.8 مليار سنة من اندماج LKH.
كما شهدت مليارات السنين الأخيرة تفاعلاً واندماجاً تدريجياً بين درب التبانة ومجرة القوس القزمة، وهي عملية امتدت على مدى نحو 6 مليارات سنة.
وتوضح هذه الأحداث أن المجرات ليست أنظمة ثابتة، وإنما تتغير وتنمو باستمرار عبر تكوين النجوم والتفاعلات والاندماجات مع المجرات المحيطة بها.
هل ساهمت اندماجات درب التبانة في ظهور النظام الشمسي؟
تفتح النتائج باباً مثيراً لفهم العلاقة بين التاريخ القديم لمجرة درب التبانة والظروف التي أدت لاحقاً إلى نشأة النظام الشمسي والأرض.
ويرى الباحثون أن كل اندماج كبير شهدته المجرة ترك تأثيراً في تطورها، سواء عبر إضافة النجوم أو الغاز أو المادة المظلمة، أو من خلال تحفيز موجات جديدة من تكوين النجوم.
وبعد مليارات السنين من هذه الأحداث، تشكل النظام الشمسي الذي تنتمي إليه الأرض.
ولهذا فإن إعادة بناء التاريخ القديم لدرب التبانة لا تساعد العلماء فقط على معرفة كيفية تشكل مجرتنا، وإنما تقترب أيضاً من الإجابة عن أحد أكثر الأسئلة عمقاً: كيف تهيأت الظروف الكونية التي أدت في النهاية إلى ظهور عالمنا؟
دراسة تكشف فصلاً جديداً من تاريخ مجرتنا
يمثل اكتشاف اندماج يعود إلى نحو 11.8 مليار سنة نافذة جديدة على طفولة مجرة درب التبانة، ويوضح أن المجرة التي نعيش فيها اليوم هي حصيلة مليارات السنين من التطور والتفاعلات الكونية.
ومن خلال دراسة أعمار النجوم وتركيبها الكيميائي وحركتها، يستطيع علماء الفلك إعادة بناء أحداث وقعت قبل مليارات السنين، والكشف تدريجياً عن المراحل التي صنعت الشكل الحالي لدرب التبانة.
ومع تطور التلسكوبات وتقنيات تحليل البيانات الفلكية، قد تظهر أدلة إضافية على اندماجات أقدم أو أحداث أخرى مجهولة، ما يسمح برسم صورة أكثر اكتمالاً لتاريخ مجرة درب التبانة وتطورها منذ بدايات الكون.
