
تواجه أوروبا تحديًا متزايدًا في تأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل تصاعد المنافسة العالمية على الشحنات المتاحة واستمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد تعطل حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
وكانت الحكومات الأوروبية وشركات الطاقة قد راهنت في وقت سابق على إمكانية تأجيل عمليات إعادة ملء مخزونات الغاز، انتظارًا لتحسن الأوضاع وعودة تدفقات الغاز عبر المضيق، إلا أن التطورات الأخيرة قلبت هذه الحسابات رأسًا على عقب.
تصاعد التوترات في الشرق الأوسط يرفع أسعار الغاز
شهدت أسعار الغاز الطبيعي ارتفاعًا ملحوظًا منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة، ما جعل عمليات الشراء أكثر تكلفة، ودفع العديد من المستوردين الأوروبيين إلى التريث أملاً في نجاح الحلول الدبلوماسية واستئناف حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
لكن مع استمرار الأزمة وتجدد المواجهات، ارتفعت أسعار الغاز إلى مستويات تقترب من أعلى معدلاتها منذ بداية التوترات، بينما تأخرت أوروبا بشكل واضح في إعادة بناء احتياطياتها الإستراتيجية.
آسيا تنافس أوروبا بقوة على شحنات الغاز المسال
في المقابل، سارعت الدول الآسيوية إلى اقتناص الشحنات المتاحة من الغاز الطبيعي المسال لتعويض الإمدادات القطرية المتوقفة، حيث كثفت الصين والهند وباكستان وبنغلادش عمليات الشراء من الأسواق الفورية، الأمر الذي أدى إلى تقليص الكميات المتاحة للدول الأوروبية.
ويرى محللون أن هذه المنافسة قد تؤدي إلى اندلاع حرب أسعار عالمية على الغاز خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول.
ألمانيا وأوروبا أمام قرارات صعبة
يترقب المتعاملون ما إذا كانت الحكومات الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا باعتبارها أكبر سوق للغاز في القارة، ستتدخل لدعم عمليات الشراء، في حال استمرار الأزمة.
ورغم أن معظم الخبراء لا يتوقعون نقصًا فعليًا في الإمدادات خلال الشتاء، فإن القلق الأكبر يتمثل في ارتفاع تكلفة الغاز، وما قد يترتب عليه من زيادة كبيرة في فواتير الكهرباء والتدفئة، إلى جانب الضغوط التي ستواجهها القطاعات الصناعية.
وقالت آن صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا والرئيسة السابقة لتحليلات الغاز في شركة BP، إن الأسواق تجاهلت تصاعد المخاطر لفترة طويلة، قبل أن تبدأ الأسعار بالارتفاع بوتيرة متسارعة، مشيرة إلى أن السؤال الأهم الآن هو مدى سرعة استجابة الأسواق لهذا الواقع الجديد.
استمرار تعطل صادرات الغاز القطرية
لا تزال احتمالات استئناف صادرات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، بعدما توقفت الشحنات فعليًا عقب تعرض إحدى الناقلات القطرية لهجوم قبل أسابيع.
كما تراجعت فرص التوصل إلى انفراجة دبلوماسية، في ظل استمرار التصعيد السياسي والعسكري، الأمر الذي دفع قطر إلى تمديد حالة القوة القاهرة لعملائها الأوروبيين حتى منتصف أكتوبر، بينما تستمر بالنسبة للعملاء الآسيويين حتى سبتمبر.
ويعني ذلك أن أوروبا ستفقد أحد أهم مصادر الإمدادات خلال الفترة التي تسبق موسم الشتاء.
مخزونات الغاز الأوروبية أقل من المستهدف
تشير البيانات إلى أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي تتجاوز قليلًا 54% من طاقتها الاستيعابية، وهو مستوى يقل كثيرًا عن متوسط السنوات الخمس الماضية الذي بلغ نحو 70%.
كما أن هذه النسبة لا تزال بعيدة عن الهدف الأوروبي المعلن، والمتمثل في الوصول إلى 80% من سعة التخزين قبل الأول من نوفمبر، استعدادًا لفصل الشتاء.
وأكد محللون أن الوقت أصبح عاملًا حاسمًا، وأن الاتحاد الأوروبي سيضطر إلى زيادة مشترياته سريعًا إذا أراد تحقيق أهداف التخزين قبل انخفاض درجات الحرارة.
تراجع واردات أوروبا وارتفاع الطلب الآسيوي
تكشف بيانات تتبع حركة السفن أن واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال انخفضت بنحو 27% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت الواردات الآسيوية بصورة واضحة.
ويعكس هذا التحول انتقال المشترين الآسيويين إلى أسواق جديدة للحصول على الإمدادات، وهو ما يقلص الخيارات المتاحة أمام أوروبا ويزيد من حدة المنافسة العالمية.
أوروبا أكثر عرضة لأزمة برد جديدة
يرى خبراء الطاقة أن استمرار اضطراب الإمدادات قد يجعل أوروبا أكثر عرضة لتكرار أزمة الطاقة التي شهدتها خلال السنوات الماضية، خاصة إذا جاء الشتاء أكثر برودة من المعتاد.
كما يزيد قرار الاتحاد الأوروبي بوقف واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول يناير 2027 من الضغوط، إذ يفقد التكتل أحد أهم مصادر الإمدادات البديلة في المستقبل.
الصين واليابان وكوريا الجنوبية تعزز مشترياتها
تواصل الدول الآسيوية تعزيز احتياطياتها من الغاز الطبيعي المسال، حيث رفعت الصين وارداتها استعدادًا لذروة الطلب الصيفي وإعادة بناء المخزونات، فيما عززت اليابان استخدام الغاز في إنتاج الكهرباء مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة استهلاك الطاقة.
كما تشهد كوريا الجنوبية وتايوان توجهًا مماثلًا، ما يؤدي إلى استمرار الطلب المرتفع على الشحنات الفورية في الأسواق العالمية.
هل تتكرر أزمة الطاقة الأوروبية؟
يحذر خبراء الطاقة من أن أوروبا قد تواجه أزمة مشابهة لما حدث في عام 2022 إذا استمرت التوترات الحالية ولم تتمكن من إعادة ملء المخزونات في الوقت المناسب.
ورغم أن القارة تمكنت آنذاك من تجاوز الشتاء بفضل اعتدال الطقس، فإن الاعتماد مجددًا على الظروف المناخية يُعد مخاطرة كبيرة لا يمكن البناء عليها كخطة لإدارة أمن الطاقة.
وأكد مسؤولون في قطاع الطاقة أن انخفاض مستويات المخزون، بالتزامن مع استمرار ارتفاع الطلب العالمي، قد يضع أوروبا أمام شتاء صعب، خاصة إذا استمرت المنافسة القوية مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال.
الخلاصة
يدخل سوق الغاز الطبيعي المسال مرحلة شديدة الحساسية، مع استمرار اضطرابات الإمدادات وتصاعد المنافسة بين أوروبا وآسيا على الشحنات المتاحة. وفي الوقت الذي تسابق فيه الدول الآسيوية الزمن لتأمين احتياجاتها، تجد أوروبا نفسها أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في إعادة بناء مخزوناتها ومواجهة ارتفاع الأسعار، وهو ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد قدرة القارة على تجنب أزمة طاقة جديدة خلال الشتاء القادم.
