
يشهد استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT وClaude، انتشاراً واسعاً بين المراهقين حول العالم، إذ أصبحت هذه الأدوات وجهة يلجأ إليها الكثير منهم للحصول على النصائح المتعلقة بالصداقات، والخلافات الأسرية، والعلاقات العاطفية. ورغم الفوائد التي تقدمها هذه التقنيات، فإن دراسة علمية حديثة حذرت من أن الاعتماد المفرط عليها قد يؤثر سلباً في تطور المهارات الاجتماعية والقدرة على بناء علاقات إنسانية صحية.
دراسة أميركية تكشف مخاطر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي
أظهرت دراسة أجراها باحثون من جامعة ولاية أريزونا الأميركية، ونشرتها دورية The Lancet Child & Adolescent Health، أن روبوتات الدردشة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمراهقين، حيث توفر لهم إجابات فورية، وتفاعلاً خالياً من الأحكام المسبقة، وهو ما يجعلها خياراً مفضلاً لدى الكثيرين عند مواجهة المشكلات الشخصية.
لكن الباحثين أشاروا إلى أن هذا النوع من التفاعل الرقمي قد يدفع بعض المراهقين إلى استبدال العلاقات الإنسانية الحقيقية بعلاقات افتراضية أكثر سهولة وراحة، الأمر الذي قد ينعكس على تطورهم الاجتماعي والنفسي على المدى الطويل.
مرحلة المراهقة.. الأساس الحقيقي لبناء العلاقات
أكدت الباحثة الرئيسية للدراسة، ثاو ها، الأستاذة المشاركة في قسم علم النفس بجامعة ولاية أريزونا، أن مرحلة المراهقة تُعد من أهم المراحل التي يكتسب خلالها الإنسان مهارات تنظيم المشاعر، وحل النزاعات، وفهم الآخرين، ووضع الحدود الصحية في العلاقات.
وأوضحت أن هذه المهارات لا تُكتسب من خلال النصائح النظرية، بل عبر التفاعل اليومي مع الأصدقاء وأفراد الأسرة والشركاء العاطفيين، حيث تسهم التجارب الاجتماعية المتكررة في تكوين شخصية متوازنة وقادرة على بناء علاقات ناجحة في المستقبل.
الذكاء الاصطناعي قد يحل محل التواصل الإنساني
وأظهرت مناقشات أجراها الباحثون مع عدد من الطلاب أن كثيراً من المراهقين يدركون بالفعل وجود خطر يتمثل في أن يحل الذكاء الاصطناعي محل التواصل البشري، خصوصاً مع سهولة الحصول على إجابات فورية وداعمة دون مواجهة تحديات العلاقات الواقعية.
وأشار المشاركون إلى أن بعض الاحتياجات العاطفية والإنسانية لا يمكن لأي برنامج أو حاسوب تعويضها، مهما بلغت قدراته التقنية.
أرقام تكشف حجم انتشار روبوتات الدردشة
تعكس الإحصاءات الحديثة مدى توسع استخدام الذكاء الاصطناعي بين المراهقين، إذ أظهرت دراسة صادرة عن مركز بيو للأبحاث أن نحو 64% من المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي التفاعلي.
كما بينت أبحاث أجراها مركز الديمقراطية والتكنولوجيا أن:
- 42% من المراهقين استخدموا روبوتات الدردشة للحصول على نصائح تتعلق بالصداقات والعلاقات الاجتماعية.
- 19% استعانوا بها في موضوعات مرتبطة بالعلاقات العاطفية.
ويرى عدد من المراهقين أن أدوات التحقق من العمر المفروضة على هذه التطبيقات لا تعكس واقع استخدامهم، كما أن انتشار الذكاء الاصطناعي في الدراسة والحياة اليومية يجعل تجنبه أمراً بالغ الصعوبة.
الخطر الأول: الإزاحة العلائقية
حددت الدراسة أول المخاطر فيما أطلقت عليه مصطلح “الإزاحة العلائقية”، وهي الحالة التي يستبدل فيها المراهق التواصل مع الأشخاص الحقيقيين بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
ويحذر الباحثون من أن تجنب الحوارات الصعبة مع الأصدقاء أو الأسرة أو الشركاء العاطفيين قد يحرم المراهق من اكتساب خبرات اجتماعية ضرورية، تسهم مستقبلاً في تقليل احتمالات الإصابة بالاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة.
وضرب المشاركون أمثلة متعددة، مثل طلب التأييد من روبوتات الدردشة بعد الخلافات العاطفية، أو الاستعانة بها في إنجاز الواجبات الدراسية بدلاً من التعاون مع زملائهم، وهو ما يقلل فرص التفاعل الاجتماعي الطبيعي.
الخطر الثاني: بناء تصورات غير واقعية عن العلاقات
أما الخطر الثاني الذي ركزت عليه الدراسة فهو ما يعرف بـ “التعلم العلائقي غير التكيفي”، حيث قد يؤدي أسلوب استجابة الذكاء الاصطناعي إلى تكوين تصورات غير واقعية عن طبيعة العلاقات الإنسانية.
فغالبية روبوتات الدردشة تقدم دعماً فورياً، وتبدي تفهماً دائماً، وتميل إلى تأكيد آراء المستخدم وإرضائه، مما قد يجعل المراهق يتوقع السلوك نفسه من الأشخاص المحيطين به.
ويرى الباحثون أن هذا الأمر قد يؤدي مع مرور الوقت إلى زيادة الحساسية تجاه الرفض، وصعوبة تقبل الاختلاف، وتكوين أنماط علاقات غير صحية قد تنعكس على الصحة النفسية مستقبلاً.
كما أوضحوا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي صُممت لتقديم تجربة مرضية للمستخدم، وهو ما يقلل من فرص التعلم الناتجة عن مواجهة التحديات والخلافات الواقعية التي تُعد جزءاً أساسياً من بناء الشخصية.
هل يجب منع المراهقين من استخدام الذكاء الاصطناعي؟
رغم هذه التحذيرات، شدد الباحثون على أن الحل لا يتمثل في منع المراهقين من استخدام روبوتات الدردشة، بل في توجيه استخدامها بطريقة صحيحة.
وأشاروا إلى أن هذه الأدوات قد تقدم دعماً مهماً للمراهقين الذين يواجهون صعوبة في الوصول إلى خدمات الدعم النفسي أو الاستشارات، خاصة في المناطق الريفية أو لدى الأشخاص ذوي الإعاقة أو الفئات التي تعاني نقصاً في الخدمات العلاجية.
ونقل الباحثون عن أحد المشاركين قوله إن الذكاء الاصطناعي يمثل بديلاً أقل تكلفة من المعالج النفسي، كما أنه يجعل المعلومات متاحة بسهولة لمن قد يترددون في طلب المساعدة من المصادر التقليدية.
كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة؟
خلصت الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة إيجابية إذا جرى تصميمه بما يتناسب مع احتياجات المراهقين ومراحل نموهم، بحيث يشجعهم على التفكير الذاتي، ويحفزهم على التواصل مع الأشخاص المقربين بدلاً من استبدالهم.
كما أوصى الباحثون بتطوير أنظمة ذكية تدفع المستخدم إلى التحدث مع شخص موثوق، والنظر إلى وجهة نظر الطرف الآخر، وطلب المساعدة المهنية عند الحاجة، بدلاً من الاعتماد الكامل على روبوتات الدردشة.
الخلاصة
تؤكد الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة واعدة لدعم المراهقين وتقديم المعلومات والإرشاد، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى عامل مؤثر في نموهم الاجتماعي إذا أصبح بديلاً دائماً عن العلاقات الإنسانية. لذلك، تبقى الموازنة بين الاستفادة من التقنيات الحديثة والحفاظ على التفاعل البشري الحقيقي هي المفتاح لبناء جيل يتمتع بصحة نفسية واجتماعية أفضل.
