
لطالما اقتصر تصوّر الكثيرين لفن السيراميك على كونه حرفة تُنتج أواني وأدوات مطلية بالتزجيج تضمن الصلابة وطول الاستخدام. لكن هذا الفهم التقليدي لا يعكس حقيقة السيراميك كفن قادر على صياغة سرديات بصرية وجمالية ثرية تتجاوز حدود الوظيفة والزخرفة.
هذا البعد الفني يتجلّى بوضوح في المتحف الوطني للسيراميك والفنون الفخمة في فالنسيا (بلنسية الأندلسية قديمًا)، من خلال المعرض الفردي للفنانة ساندرا فال تحت عنوان “إيروتيكا الزمن”.
“إيروتيكا الزمن”: إعادة التفكير بعلاقة الإنسان بالوقت
يطرح المعرض رؤية جديدة لتجربة الزمن، لا بوصفه مقياسًا خطيًا، بل كـ”مادة حيّة” تتغيّر وتتجدّد. تستخدم الفنانة مواد مثل:
الخزف، الزجاج، المعادن، والمنسوجات
لصناعة عالم بصري يجمع بين الروحاني والتقني، وبين اللامرئي والملموس.
تتألف التجربة من سبع محطات رئيسية، أبرزها:
- “بي بيرسي”: مستوحاة من النظام النجمي الثلاثي في كوكبة فرساوس
- “تيخي”: آنية خزفية عملاقة تحفّز التأمل في فكرة المصير
هنا يتحوّل التشكيل إلى طقس ورمز، ويغدو الزمن ذاته قابلاً للتشكيل داخل المنحوتات واللوحات، بما يضع الإنسان في سياق كوني أوسع من ذاته.
الأعمال السيراميكية كمساحات للحكاية البصرية
في المتحف، لا يتوقف السيراميك عند حدود الزينة؛ بل يتحوّل السطح المزجّج إلى صفحة تُقرأ.
تظهر شخصيات ورموز وزخارف تتجاور داخل مساحة واحدة، فتولد سرديات خزفية تُحاكي الذاكرة اليومية والرموز الكونية والطقوس الدينية.
لا تعتمد هذه الحكايات على اللغة، بل على:
- إيقاعات اللون
- توازن الخطوط
- دلالات الملمس
- البنية المادية
ليصبح الخزف وسيطًا لإحياء القصة، وليس مجرد حامِل لها.
زيارة عبر تاريخ الخزف في المتحف الوطني للسيراميك
يضم المتحف مجموعة واسعة تمتد من الفن الإسلامي والأندلسي إلى الفنون الأوروبية الحديثة والمعاصرة، وتشمل:
قسم السيراميك الإسلامي والأندلسي
- زخارف الكوبالت والأزرق الفيروزي
- تقنية اللستر الأندلسي التي ظهرت في العراق ثم انتقلت إلى مصر والأندلس
- حضور الخط العربي والعناصر الهندسية والنباتية
- تأثير واضح على هوية السيراميك الفالنسي في العصور الوسطى
سيراميك القرون الوسطى
مرحلة انتقالية من الأدوات اليومية إلى قطع ذات رمزية وسرد بصري بدائي.
عصر النهضة والقرنان 16 و17
الأطباق التصويرية المستوحاة من الأساطير والمشاهد الإنسانية، وتأثر واضح بالمدارس الإيطالية.
سيراميك القرن 19 في مانيسيس
عودة قوية لـ”اللستر الفالنسي” وتطوّر الصناعة لأجل أسواق أوروبية واسعة.
الفن الحديث والمعاصر
السيراميك كأداة فكرية ومفهومية تتقاطع مع قضايا الجسد والوقت والفضاء.
إضافةً إلى أقسام الزجاج والمعادن والنسيج، وقاعة العربات الملكية التي تحفظ ذاكرة المنطقة عبر رموزها المعيشية والاحتفالية.
ولادة السيراميك.. حين التقت الأرض بالنار
بدأ السيراميك من الطين الذي شكّل أول علاقة بين الإنسان والمادة. ومع اكتشاف النار، حدث التحوّل العظيم الذي جعل الطين مادّة صلبة مقاومة، وأدخل الإنسان في مرحلة حضارية جديدة.
تطوّر الأمر إلى اكتشاف التزجيج، بعد ملاحظة تشكّل طبقة زجاجية ناعمة عند ملامسة الرماد والمعادن لحرارة النار العالية. ومن هنا وُلدت الخزفيات اللامعة التي ستزدهر لاحقًا في حضارات الشرق الأدنى وممالك الأندلس.
لحظة مفصلية: من بابل إلى الأندلس
- بوابة عشتار في بابل مثال مبكر على الطابوق المزجّج
- استعمال التزجيج في مصر القديمة للحُلِيّ والتماثيل الصغيرة
- انتقال الخبرة إلى الخزف الإسلامي الذي بلغ ذروته في الأندلس
- ومنه إلى أوروبا عبر فالنسيا ومانيسيس
السيراميك.. سردية مادّية للزمن والذاكرة
يكشف المتحف الوطني للسيراميك أنّ هذه الصناعة ليست مجرّد أدوات منزلية، بل:
- ذاكرة متجسّدة في مادّة الطين
- طقس جمالي يربط الماضي بالحاضر
- لغة بصرية تحكي المصير والزمن والحياة
وبهذا المعنى، يصبح السيراميك فنًّا يمنح المادّة صوتها الخاص، ويعيد الإنسان إلى جذوره الأولى، في اللحظة التي التقت فيها الأرض بالنار وبدأت الحكاية.
