
بين غزارة الإنتاج الأدبي وبطء الكتابة الروائية، تكشف تجارب كبار الأدباء أن الإبداع لا يخضع لساعة واحدة، وأن العلاقة بين الكاتب والزمن أكثر تعقيداً من مجرد انتظار الإلهام
في عالم الأدب، تبدو العلاقة بين الزمن والإبداع واحدة من أكثر العلاقات إثارة للتساؤلات؛ فبينما يستطيع بعض الروائيين إصدار رواية جديدة كل عام، وربما أكثر من عمل خلال أشهر قليلة، يحتاج آخرون إلى سنوات طويلة لصياغة رواية واحدة، يعيدون خلالها كتابة الفصول وتنقيح الشخصيات والبحث في التفاصيل حتى تكتمل ملامح العمل الأدبي
فهل تعني غزارة الإنتاج أن الكاتب أكثر إبداعاً؟ وهل يشير بطء الكتابة إلى مزيد من العمق الفني؟ أم أن لكل روائي طريقته الخاصة في التعامل مع الأفكار واللغة والزمن؟
تفتح تجارب أسماء بارزة في الأدب العالمي، من أميلي نوتومب وستيفن كينغ إلى دونا تارت وأمبرتو إيكو، نافذة لفهم أسرار الكتابة الروائية، والعلاقة المعقدة بين الانضباط اليومي والإلهام والبحث الأدبي
أميلي نوتومب.. ثلاث روايات سنوياً وواحدة فقط ترى النور
تقدم الروائية البلجيكية أميلي نوتومب نموذجاً لافتاً في عالم الإنتاج الأدبي الغزير، بعدما واصلت إصدار رواياتها بوتيرة منتظمة منذ ظهور عملها الأول «نظافة القاتل» عام 1992
ومع صدور روايتها الخامسة والثلاثين «مراهقة الببغاء»، كشفت نوتومب عن جانب مثير من تجربتها الإبداعية؛ فهي لا تكتفي بكتابة رواية واحدة سنوياً، بل تنجز نحو ثلاث روايات، قبل أن تختار إحداها للنشر وتحتفظ بالبقية بعيداً عن القراء
غير أن السر لا يكمن في سرعة الكتابة وحدها، بل في نظام يومي صارم يمنح الإبداع مساحة ثابتة من حياتها
ففي مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، أوضحت أنها تستيقظ عند الرابعة صباحاً، وتبدأ يومها بشرب الشاي المركّز، ثم تنصرف إلى الكتابة أربع ساعات متواصلة، قبل أن تبدأ بقية أنشطتها اليومية
وتحافظ الروائية على هذا الإيقاع طوال أيام الأسبوع، في تجربة تجعل الكتابة أقرب إلى ممارسة حياتية منتظمة منها إلى انتظار لحظة استثنائية من الإلهام
وتكشف تجربتها عن حقيقة مهمة: غزارة الإنتاج الأدبي لا تعني بالضرورة نشر كل ما يكتبه المؤلف، بل قد تقوم على إنتاج أعمال متعددة، ثم اختيار النص الذي يستحق الوصول إلى القارئ
ستيفن كينغ.. الكتابة اليومية تصنع الروايات
إذا كانت أميلي نوتومب تبدأ الكتابة قبل شروق الشمس، فإن الروائي الأميركي ستيفن كينغ، أحد أشهر كتّاب الرعب والتشويق في العالم، يقدم نموذجاً آخر للانضباط الأدبي
في كتابه الشهير «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، يكشف كينغ عن فلسفته في التعامل مع الكتابة بوصفها عملاً يومياً يحتاج إلى الاستمرارية أكثر مما يحتاج إلى انتظار المزاج المناسب
ويضع لنفسه هدفاً يقارب ألفي كلمة يومياً، أي ما يعادل نحو عشر صفحات، ويخصص للكتابة ما بين أربع وست ساعات
ويرى أن الكاتب لا يستطيع تطوير موهبته بالاعتماد على الإلهام وحده، بل يحتاج إلى القراءة المستمرة والكتابة المتكررة، حتى تصبح اللغة أداة أكثر مرونة وقدرة على التعبير
ولا يبحث كينغ عن الكمال خلال المسودة الأولى، بل يمنح نفسه حرية اكتشاف الحكاية وشخصياتها، ثم يبتعد عن النص فترة قبل العودة إليه بالمراجعة والتنقيح
وهنا يظهر أحد أسرار الإنتاج الروائي الغزير: الفصل بين مرحلتي الكتابة والتحرير، وعدم السماح للرغبة في الوصول إلى نص مثالي بتعطيل عملية الإبداع منذ بدايتها
بلزاك وأسيموف.. عندما تتحول الكتابة إلى أسلوب حياة
لم تبدأ ظاهرة الإنتاج الأدبي الغزير مع الروائيين المعاصرين، بل عرفها تاريخ الأدب منذ قرون
فقد كان الروائي الفرنسي أونوريه دو بلزاك، أحد أبرز أعلام الأدب في القرن التاسع عشر، يقضي ساعات طويلة أمام مكتبه، ويبدأ الكتابة أحياناً في منتصف الليل، مستعيناً بكميات كبيرة من القهوة لمقاومة الإرهاق
وقد ارتبط اسمه بحكايات عن استهلاك عشرات فناجين القهوة يومياً، وإن كانت الأرقام المتداولة في هذا الشأن أقرب إلى الروايات الشائعة منها إلى الحقائق الموثقة بدقة
لكن المؤكد أن مشروعه الأدبي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلب جهداً استثنائياً، وإنتاجاً متواصلاً ترك أثره في صحته وحياته الشخصية
أما الكاتب الأميركي إسحاق أسيموف، فقد جعل الكتابة نشاطاً يومياً يمتد إلى التأليف والتحرير والمراجعة
وتُنسب إليه مئات الكتب والأعمال في مجالات متنوعة، من الخيال العلمي إلى التاريخ والعلوم، وهو ما جعله واحداً من أبرز نماذج الإنتاج الفكري الغزير في العصر الحديث
ولم تكن قدرته على الإنجاز مرتبطة بانتظار أفكار خارقة في كل صباح، بل بالاستمرار في العمل حتى خلال الأيام العادية التي لا يبدو فيها الإلهام حاضراً بقوة
وتقترب الروائية الأميركية دانييل ستيل من هذا النموذج، إذ تحدثت عن صعوبة الابتعاد عن الكتابة لفترات طويلة، وعن انشغالها المستمر بالتخطيط والمراجعة والقراءة والتواصل مع المحررين والناشرين
وتوضح هذه التجارب أن الإنتاج الأدبي لا يقتصر على الساعات التي يقضيها الكاتب في صياغة الجمل، بل يشمل منظومة كاملة من الأنشطة التي تساعد على تحويل الفكرة إلى كتاب منشور
دونا تارت.. لماذا تحتاج بعض الروايات إلى عشر سنوات؟
في الجهة المقابلة من المشهد الأدبي، تقف الروائية الأميركية دونا تارت بوصفها نموذجاً مختلفاً تماماً في علاقتها بالكتابة والزمن
فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لإنجاز روايتها الأولى «التاريخ السري»، ثم أمضت قرابة عقد آخر قبل إصدار «الصديق الصغير»
ولا ترى تارت في هذا البطء مشكلة تستدعي الاعتذار، بل تتعامل معه باعتباره جزءاً من طبيعة تجربتها الإبداعية
فهي تفضل البقاء داخل العالم الروائي فترة طويلة، وإعادة النظر في الشخصيات والتفاصيل والبناء السردي، وقد تتخلى عن مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا شعرت بأنها لا تخدم الرواية
وتكشف تجربتها عن مفهوم آخر للانضباط الأدبي، يختلف عن الانضباط القائم على عدد الكلمات اليومية أو الالتزام بمواعيد النشر
فالكاتب غزير الإنتاج يحمي ساعات الكتابة من المقاطعات، بينما يحمي الكاتب المتأني مشروعه من الاستعجال
وفي الحالتين، لا يغيب الانضباط، بل تختلف الطريقة التي يمارسه بها كل مؤلف
وهكذا يصبح بطء الكتابة الروائية خياراً فنياً يرتبط بطبيعة العمل، وليس بالضرورة دليلاً على ضعف الإنتاجية أو غياب الإلهام
أمبرتو إيكو.. البحث الطويل وراء الروايات العظيمة
لا يرتبط طول المدة التي يحتاجها الروائي دائماً بأسلوبه الشخصي في الكتابة؛ فقد تفرض طبيعة المشروع الأدبي سنوات من البحث وجمع المعلومات قبل البدء في صياغة الرواية
ويقدم الكاتب والمفكر الإيطالي أمبرتو إيكو مثالاً بارزاً على هذا النوع من الإبداع الذي يتداخل فيه الخيال مع المعرفة التاريخية والفلسفية
فقد استغرقت كتابة روايته الشهيرة «اسم الوردة» نحو عامين، لكنها استندت إلى سنوات سابقة من التخصص في تاريخ العصور الوسطى، وإلى أرشيف واسع من الملفات والملاحظات
أما روايته «بندول فوكو»، فقد احتاجت إلى ثمانية أعوام من البحث والكتابة
ولم يكن اهتمام إيكو مقتصراً على بناء الحبكة الروائية، بل امتد إلى دراسة المخطوطات والعمارة والأديرة والطقوس الدينية والتفاصيل المرتبطة بالعوالم التي تدور فيها أحداث أعماله
وكان يدرك أن الرواية التاريخية لا تكتسب قوتها من الحكاية وحدها، بل من قدرتها على بناء عالم مقنع، يشعر القارئ بأنه يمتلك تاريخاً وثقافة وتفاصيل حقيقية
وقد لا تظهر جميع المعلومات التي جمعها الكاتب في النص النهائي، لكنها تسهم في تشكيل عمقه ومصداقيته
ومن هنا، يصبح البحث جزءاً أساسياً من عملية الإبداع، حتى وإن لم يتحول مباشرة إلى صفحات منشورة
هيلاري مانتل وجيمس ميشينر.. حين يصبح البحث جزءاً من الرواية
تتجلى أهمية البحث الأدبي أيضاً في تجربة الروائية البريطانية هيلاري مانتل، التي اشتهرت بثلاثيتها التاريخية عن توماس كرومويل
فقد اعتمدت مانتل على قراءة المصادر التاريخية، ودراسة الوثائق والمراسلات، والاستعانة بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المتخصصين في حقبة آل تيودور
وكان هدفها تجاوز السرد التاريخي التقليدي إلى إعادة بناء العالم السياسي والاجتماعي الذي عاشت فيه شخصياتها، بما يسمح للقارئ بفهم دوافعها وعلاقاتها وصراعاتها
أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد قدم تجربة مشابهة خلال إعداد روايته التاريخية «تشيسابيك»
إذ أمضى نحو عامين في البحث، انتقل خلالهما إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، والتقى سكانها، وقرأ مئات الكتب، قبل أن يخصص عامين آخرين لكتابة العمل
في مثل هذه التجارب، لا يمثل الزمن فترة انتظار بين روايتين، بل يتحول إلى مادة أساسية في صناعة الأدب
فكل وثيقة يقرأها الكاتب، وكل مكان يزوره، وكل شهادة يستمع إليها، قد تسهم في بناء عالم روائي أكثر إقناعاً وثراءً
هل الإلهام أم الانضباط هو سر نجاح الكاتب؟
تطرح المقارنة بين الروائيين غزيري الإنتاج والكتّاب الذين يحتاجون إلى سنوات لإنجاز أعمالهم سؤالاً جوهرياً: هل يمكن اختصار الإبداع في نظام يومي ثابت، أم أن الكتابة تحتاج إلى حرية زمنية لا تخضع للجداول؟
تكشف التجارب السابقة أن العلاقة بين الإلهام والانضباط ليست علاقة تناقض بالضرورة
فالكاتب الذي يلتزم بعدد محدد من الكلمات يومياً لا يستغني عن الخيال، لكنه يوفر له فرصة متكررة للظهور
وفي المقابل، لا يعني الكاتب الذي يمضي سنوات في مشروع واحد أنه ينتظر الإلهام دون عمل، بل قد يكون منشغلاً بالبحث وإعادة الكتابة والتجريب والتأمل
كما أن طبيعة النوع الأدبي تؤثر في وتيرة الإنجاز؛ فالرواية التاريخية التي تتطلب دراسة حقبة كاملة قد تحتاج إلى وقت مختلف عن رواية تقوم على تجربة شخصية أو عالم تخييلي مألوف لدى مؤلفها
وتلعب عوامل أخرى دوراً مهماً، منها خبرة الكاتب، وطبيعة أسلوبه، ومدى تعقيد البناء الروائي، والوقت المتاح له، وعلاقته بدور النشر ومتطلبات السوق الأدبية
ولذلك يصعب اعتماد عدد الروايات المنشورة معياراً وحيداً للحكم على قيمة التجربة الإبداعية
هل كثرة الروايات تعني جودة أدبية أكبر؟
ليست هناك علاقة حتمية بين غزارة الإنتاج وجودة الكتابة، كما لا يضمن طول الوقت الذي يستغرقه المؤلف أن تكون روايته أكثر عمقاً أو نجاحاً
فقد ينتج كاتب عدة أعمال متميزة خلال فترة قصيرة، بينما يحتاج آخر إلى سنوات طويلة للوصول إلى نص يرضى عنه
وتختلف معايير الجودة الأدبية باختلاف البناء الفني واللغة والشخصيات والأفكار والقدرة على تقديم تجربة إنسانية مؤثرة
كما أن عملية المراجعة والاختيار تؤدي دوراً حاسماً في تحديد مستوى العمل النهائي، سواء استغرقت المسودة الأولى أسابيع أم سنوات
وتكشف تجربة أميلي نوتومب، التي تكتب أعمالاً أكثر مما تنشر، أن الإنتاج الغزير قد يترافق مع انتقاء صارم، تماماً كما قد يترافق الإنتاج البطيء مع عمليات متكررة من الحذف وإعادة البناء
فالعبرة ليست بعدد الصفحات التي يكتبها الروائي، وإنما بما يبقى منها في النص الذي يصل إلى القارئ
الخلاصة.. لكل روائي ساعته الخاصة
بين أميلي نوتومب التي تكتب ثلاث روايات سنوياً، وستيفن كينغ الذي يلتزم بحصته اليومية من الكلمات، ودونا تارت التي تمضي نحو عقد مع مشروع روائي واحد، وأمبرتو إيكو الذي يمنح البحث سنوات من حياته، تتعدد الطرق المؤدية إلى الكتابة الأدبية
ولا تقدم هذه التجارب وصفة واحدة لصناعة الرواية الجيدة، بقدر ما تكشف عن اختلاف علاقة الكتّاب بالزمن
فبعضهم يحوّل الكتابة إلى عادة يومية، وبعضهم يجعل البحث أساساً للخيال، وآخرون يمنحون النص سنوات من التأمل والمراجعة حتى يبلغ صورته النهائية
وربما لا يكون السؤال الأهم: كم رواية يستطيع الكاتب أن ينجز في العام؟ بل: ما الزمن الذي تحتاجه كل رواية حتى تصبح العمل الذي أراد مؤلفها كتابته؟
