
عندما اندلعت شرارة الحرب العالمية الثانية، كانت الجغرافيا السياسية تعيد تشكيل نفسها على مهل، بينما كانت الفيزياء الحديثة تدخل أكثر مراحلها ثورية منذ اكتشاف الإلكترون. وفي قلب هذه الفوضى، وُلد أحد أكثر المشاريع العلمية سرية وتأثيرًا في التاريخ: مشروع مانهاتن. لم يكن مشروعًا عسكريًا فقط، بل كان تفاعلًا بين العبقرية البشرية، والقلق الوجودي، والسباق الزمنــي نحو السيطرة على قوة الطبيعة نفسها.
بدأت الحكاية عندما أدرك العلماء، بعد اكتشاف انشطار نواة اليورانيوم عام 1938 على يد هانز مايتنر وأوتو هان، أن الطاقة المنبعثة من انقسام نواة واحدة يمكن أن تتضاعف بطريقة متسلسلة قادرة على إطلاق انفجارات تفوق كل ما عرفته البشرية. ما إن وصلت هذه الأخبار إلى المجتمع العلمي الأميركي، حتى بدأ القلق ينتشر خشية أن تسبق ألمانيا النازية الجميع في تطوير هذا السلاح الجديد. كان هذا الهاجس كافيًا لإقناع حكومة الولايات المتحدة بتمويل مشروع سرّي ضخم، سيضم آلاف العلماء والمهندسين والجنود في سلسلة من المواقع المتناثرة في أنحاء البلاد.
كانت الفكرة الجوهرية للمشروع بسيطة في ظاهرها، معقدة في واقعها: تصنيع مادة انشطارية نقية—إما اليورانيوم-235 أو البلوتونيوم-239—ثم هندسة آلية لإطلاق تفاعل نووي متسلسل غير قابل للإيقاف. إلا أن الطريق إلى تلك اللحظة تطلّب بناء مدن صناعية كاملة من الصفر، مثل أوك ريدج في تينيسي وهانفورد في واشنطن، ووضع منهجيات هندسية لم تُجرَّب من قبل، إضافة إلى إجراء آلاف العمليات الحسابية التي كانت تُنفَّذ يدويًا قبل عصر الحوسبة.
في أوك ريدج، كان الهدف استخراج اليورانيوم-235 من نظيره الأكثر وفرة في الطبيعة، اليورانيوم-238. كانت العملية شاقة، تعتمد على الاختلاف الطفيف جدًا بين الكتلتين الذريتين. جرت تجارب ضخمة باستخدام طرق مثل الانتشار الغازي والفصل الكهرومغناطيسي، كُلِّفت لأجلها عنابر معدنية وُصفت بأنها تبتلع الكهرباء كما تبتلع الثقوب السوداء الضوء. ومع كل تقدم في النقاء الكيميائي، كان الفريق يقترب خطوة من صنع قلب القنبلة الأولى.
أما في هانفورد، فقد كان التحدي مختلفًا تمامًا. هنا لم يبحث العلماء عن مادة موجودة في الطبيعة، بل عن مادة تُصنع داخل المفاعلات النووية: البلوتونيوم-239. ولأول مرة في التاريخ، شُيِّدت مفاعلات ضخمة لتوليد هذه المادة عبر امتصاص النيوترونات في اليورانيوم-238. كانت تلك المفاعلات، التي يحرسها آلاف الجنود، تُشغّل في صمت، حيث تخضع كل قضيب وقود لتفاعل نووي محسوب كي يُنتج البلوتونيوم دون أن يخرج المشروع عن السيطرة.
وفي الوقت نفسه، كان في لوس ألاموس في نيو مكسيكو عقل المشروع النابض، بقيادة الفيزيائي العبقري ج. روبرت أوبنهايمر. هنا امتزجت الرياضيات المعقدة بالهندسة العملية، حيث صُمِّمت الآليتان الأساسيتان للانفجار النووي: نمط “المدفع” المستخدم في قنبلة اليورانيوم، ونمط “الانفجار الداخلي” الأكثر تعقيدًا المستخدم لقنبلة البلوتونيوم. كان المهندسون والعلماء يعيشون سباقًا مرهقًا مع الزمن، يحسبون زاوية كل موجة صادمة وموقع كل عدسة متفجرة كي يتأكدوا أن الانفجار سيضغط قلب البلوتونيوم إلى حد يسمح ببدء التفاعل المتسلسل.
ومع اقتراب منتصف عام 1945، أصبح كل شيء جاهزًا للاختبار الأول. في صحراء ألاموغوردو، عند فجر السادس عشر من يوليو، سُجّل حدث سيُعرف لاحقًا باسم “تجربة ترينيتي”. في اللحظة التي أُطلقت فيها الشحنة المتفجرة، ارتفع عمود ناري يشبه شمسًا ثانية، امتدت موجته الصادمة لعشرات الكيلومترات، ودوّى صداها في الوعي البشري أكثر مما دوّى في الصحراء. قال أوبنهايمر حينها عبارته الشهيرة: “الآن أصبحتُ الموت، مدمّر العوالم”، مقتبسًا من نصوص البهاغافاد غيتا، لتبقى علامــةً على الصراع الأخلاقي الذي رافق المشروع منذ ولادته.
بعد أقل من شهر، كانت القنابل التي صُنعت عبر هذا المشروع تُستخدم في هيروشيما وناجاساكي، معلنة نهاية الحرب وبداية عهد نووي جديد، لا تزال البشرية تتعامل مع تداعياته العلمية والسياسية والأخلاقية إلى اليوم. لم يكن مشروع مانهاتن مجرد إنجاز هندسي أو خطوة عسكرية، بل كان لحظة فاصلة أدرك فيها الإنسان قدرته على إعادة تشكيل الطبيعة، واكتشف في الوقت ذاته هشاشة العالم أمام المعرفة التي يصنعها.
وبينما يراه البعض مثالًا على عبقرية العلماء، يراه آخرون جرحًا أخلاقيًا لم يندمل، إلا أن المؤكد أن مشروع مانهاتن كشف عن الوجهين المتناقضين للتقدم العلمي: القدرة على الإنقاذ والقدرة على الفناء. ومن تلك اللحظة، أصبح العلم قوةً سياسية، وأصبح الفيزيائي لاعبًا عالميًا لا مجرد باحث خلف معمله. لقد أعاد المشروع تعريف العلاقة بين المعرفة والقوة، بين النظرية والتطبيق، وبين الإنسان والتقنية، بطريقة لم يسبق لها مثيل في التاريخ.
