
في ظل تصاعد التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، أظهر استطلاع رأي حديث أجراه مركز “بيو” للأبحاث تحولًا ملحوظًا في المواقف الأميركية تجاه الصين. فقد بدأ بعض الأميركيين في إبداء آراء “أكثر مرونة” تجاه بكين، رغم استمرار الحرب التجارية التي تُعتبر واحدة من أهم التحديات الجيوسياسية في العقود الأخيرة.
وفقًا لنتائج الاستطلاع، شهدت النظرة السلبية للصين انخفاضًا بنسبة 4%، حيث أعرب 84% من الأميركيين عن رأي غير إيجابي تجاه الصين في عام 2023، مقارنة بـ77% في عام 2025. هذا التراجع يُعد الأول منذ خمس سنوات، مما يشير إلى تغييرات محتملة في الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على العلاقة بين البلدين.
الرسوم الجمركية: السلاح المزدوج في الحرب التجارية
الإجراءات الأميركية والرد الصيني
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب واصلت سياساتها الحازمة تجاه الصين، حيث فرضت رسومًا جمركية بلغت نسبتها 145% على السلع الواردة من الصين. وبالمقابل، ردت بكين بفرض رسوم جمركية بنسبة 125% على الواردات الأميركية، بالإضافة إلى رفض استيراد الغاز الأميركي ومنتجات أخرى مصنعة داخل الولايات المتحدة.
هذه الإجراءات المتبادلة أدت إلى تصعيد التوترات بين البلدين، مع تأثير واضح على الأسواق العالمية. ومع ذلك، يُلاحظ أن هناك تباينًا في وجهات النظر الأميركية حول فائدة هذه الرسوم. بينما يعتقد غالبية المستطلعين (52%) أن الرسوم ستضر بالولايات المتحدة، يرى 24% أنها ستكون مفيدة، و6% يعتقدون أنها لن تُحدث أي تأثير، و19% أعربوا عن عدم اليقين.
الآراء حول العلاقة التجارية الثنائية
كشف الاستطلاع أيضًا عن اختلافات واضحة في تقييم الأميركيين للعلاقة التجارية مع الصين:
- ربع الأميركيين (25%) يعتقدون أن الصين تستفيد أكثر من الولايات المتحدة.
- 10% فقط يرون أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأكبر.
- 25% يعتقدون أن كلا البلدين يستفيدان بشكل متساوٍ.
- 2% يرون أن الطرفين لا يحققان أي استفادة.
- 16% أعربوا عن عدم تأكدهم.
هذا الانقسام في الآراء يعكس التعقيد المتزايد في العلاقة الاقتصادية بين البلدين، حيث يختلف المواطنون حول كيفية تأثير هذه الحرب التجارية على مصالحهم الوطنية.
مواجهة مشتعلة: السياسات الأميركية والردود الصينية
تعليق الرسوم الجمركية مؤقتًا
في خطوة مثيرة للجدل، أعلن الرئيس ترامب تعليق الرسوم الجمركية القائمة على أساس المعاملة بالمثل مع جميع الدول باستثناء الصين لمدة 90 يومًا. هذه الخطوة جاءت في وقت تسعى فيه إدارة ترامب إلى إعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية، لكنها أثارت غضب بكين التي وصفت القرار بأنه “يخدم المصالح الذاتية” للولايات المتحدة.
وفي بيان رسمي، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان: “إذا قررت الولايات المتحدة عدم الاهتمام بمصالحها ومصالح الصين والعالم بأسره، وتصر على خوض حرب تجارية، فإن رد الصين سيستمر حتى النهاية.”
التأثير على الأسواق المالية
شهدت أسواق المال العالمية اضطرابات كبيرة خلال الشهر الماضي، بعد أن أعلن ترامب فرض رسوم جمركية شاملة على العديد من الدول في الثاني من أبريل. وعلى الرغم من تعليقه المفاجئ لهذه الرسوم على أكثر من 10 دول، إلا أنه زاد الضغوط على الصين بفرض رسوم بلغت 145% على سلعها.
غياب التواصل: هل يمكن التوصل إلى اتفاق؟
جمود المحادثات الدبلوماسية
على الرغم من توقعات ترامب بتحقيق اختراق في المفاوضات مع الصين “خلال الأسابيع الثلاثة أو الأربعة المقبلة”، يبدو أن هذه التوقعات بعيدة المنال في ظل جمود التواصل بين البلدين. فالرئيس الأميركي يصرّ على إجراء محادثات مباشرة مع الرئيس الصيني شي جين بينج، بينما تفضل بكين تعزيز علاقاتها مع الدول الآسيوية الأخرى المتضررة من الرسوم الجمركية.
مخاوف من “استعراض علني”
تخشى الصين أن يؤدي أي اجتماع ثنائي مع ترامب إلى “استعراض علني” قد يفقد فيه الجانب الصيني اليد العليا. ونتيجة لذلك، لم تتواصل بكين مع واشنطن بعد إعلان الرسوم الجمركية الشاملة في 2 أبريل، رغم تلقي البيت الأبيض عشرات المكالمات من دول أخرى للتفاوض بشأن هذه السياسات.
غياب الجهود الدبلوماسية
أدى غياب أي جهود دبلوماسية ملموسة إلى تجميد التواصل الجاد بين البلدين. وحتى الآن، لم يصادق مجلس الشيوخ الأميركي على تعيين سفير لدى الصين، ولم يعين ترامب أي شخص آخر لقيادة المحادثات مع بكين. هذا الفراغ الدبلوماسي يهدد بإضعاف فرص التوصل إلى حل في المدى القريب.
الخلاصة: مستقبل العلاقات الأميركية-الصينية
بينما تشير التحولات في الرأي العام الأميركي إلى وجود مرونة متزايدة تجاه الصين، تظل العلاقة بين البلدين متوترة بسبب الحرب التجارية المستمرة. ومع غياب أي تقدم دبلوماسي ملموس، يبدو أن الطريق نحو التوصل إلى اتفاق يواجه عقبات كبيرة.
في النهاية، يتطلب الحل الأمثل تعاونًا بنّاءً بين القوتين العظميين لتجنب تداعيات سلبية طويلة الأمد على الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تحقيق هذا التعاون في ظل الأجواء السياسية المشحونة والمصالح المتعارضة.

تعليق واحد
موفق