
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تعيش ليبيا حالة من التوتر والانقسامات السياسية التي تعمقت مع مرور السنوات، وأدت إلى تفكك المؤسسات، وتشكل حكومتين متعارضتين، وتعددية عسكرية واقتصادية. هذا الواقع المعقد جعل من ليبيا بيئة خصبة للصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.
الحكومتان المتنافستان: طرابلس وبنغازي
في الوقت الحالي، تتواجد حكومتان غير متفقتين على الصعيد الدستوري أو التنفيذي:
- الحكومة في طرابلس: برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والتي أقالها البرلمان الليبي لكنها ما زالت تحظى باعتراف الأمم المتحدة.
- الحكومة في بنغازي: برئاسة أسامة حمّاد، وهي تابعة لسلطة مجلس النواب الذي يرأسه عقيلة صالح، ويحظى بدعم المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي.
الانقسام لا يشمل فقط السلطات التنفيذية، بل امتد ليشمل مؤسسات حيوية مثل البنك المركزي الليبي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة، مما يعكس مدى تعقيد الوضع داخل الدولة الليبية.
الانقسام المؤسسي: نموذج البنك المركزي الليبي
من أبرز الأمثلة على هذا الانقسام هو مصرف ليبيا المركزي، الذي شهد صراعاً حول رئاسته بين محافظه السابق الصديق الكبير ونائبه علي الحبري، قبل أن يتم التوصل إلى حل مؤقت في جنيف عام 2021. ومن ثم تم تعيين الناجي عيسى كمحافظ جديد للمصرف ضمن إطار حكومة الوحدة الوطنية.
كما يُلاحظ وجود انقسام مشابه في ديوان المحاسبة، حيث يتولى خالد شكشك رئاسته في طرابلس، بينما يترأس عمر البرعصي فرع الديوان في البيضاء. وكذلك الحال بالنسبة لـ الرقابة الإدارية، التي تتوزع بين عبد الله قادربوه في الغرب وعبد السلام الحاسي في الشرق.
المسار السياسي منذ 2011: من الثورة إلى الفوضى
بدأت أولى بوادر الأزمة الليبية مع الاحتجاجات المناهضة لنظام القذافي في فبراير 2011، والتي سرعان ما تحولت إلى ثورة مسلحة بدعم من حلف الناتو. بعد مقتل القذافي في أكتوبر من ذات العام، تم وضع “إعلان دستوري” كأول خطوة نحو إعادة تنظيم الدولة الليبية.
تم تشكيل المجلس الوطني الانتقالي، الذي اختار محمود جبريل رئيساً لمكتبه التنفيذي لإدارة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، قبل أن يستقيل ويحل محله عبد الرحيم الكيب. وبعد أقل من عام، أجريت انتخابات أفضت إلى تشكيل المؤتمر الوطني العام، وهو مجلس تشريعي مؤقت كان من المفترض أن يمهّد الطريق لدستور دائم وانتخابات حرة.
لكن الخلافات السياسية بدأت بالظهور سريعاً، خاصة فيما يتعلق بتأخير تشكيل الحكومة وهيئة كتابة الدستور، مما ولّد احتجاجات تحت شعار “لا للتمديد”، وضغطت على المجلس لتدارك الزمن الدستوري.
نقطة التحول: 2014.. بداية الحرب الأهلية
عام 2014 كان مفصلياً في تاريخ ليبيا الحديث، إذ شهد انتخاب هيئة تأسيسية لكتابة الدستور ومجلس النواب الجديد، لكنه شهد أيضاً انطلاق عمليتين عسكريتين متزامنتين:
- عملية الكرامة في الشرق، بقيادة المشير خليفة حفتر، ضد الجماعات المسلحة المتطرفة.
- فجر ليبيا في الغرب، بقيادة مجموعات إسلامية مسلحة، والتي سيطرت على العاصمة طرابلس بعد معارك استمرت شهراً.
هذه الأحداث أدت إلى انقسام البلاد إلى معسكرين سياسيين وعسكريين، أحدهما يقوده مجلس النواب والمشير حفتر في الشرق، والآخر يضم المؤتمر الوطني العام وحكومة الإنقاذ في الغرب.
الاتفاقات الدولية: من الصخيرات إلى جنيف
في ظل تصاعد التوترات وانتشار تنظيم داعش في مدن مثل سرت وبنغازي، دخلت الوساطة الدولية على الخط. وفي ديسمبر 2015، تم التوصل إلى اتفاق الصخيرات برعاية الأمم المتحدة، والذي أدى إلى تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، ومجلس رئاسي يضم تسعة أعضاء.
رغم توقيع الاتفاق، إلا أنه لم يفلح في توحيد الصفوف، فقد استمرت الحكومة المدعومة من مجلس النواب برئاسة عبد الله الثني في العمل، بينما فشلت محاولات حكومة الإنقاذ للعودة إلى السلطة بعد معارك قصيرة في 2016.
العودة إلى الحرب: معركة طرابلس 2019
في أبريل 2019، شن الجيش الوطني الليبي عملية عسكرية لدخول العاصمة طرابلس، بذريعة القضاء على الجماعات المسلحة. هذه العملية فتحت أبواب مواجهات دامية استمرت أكثر من عام، وانتهت بوقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، بوساطة دولية.
بموازاة ذلك، بدأت مفاوضات في جنيف برعاية الأمم المتحدة، أدت إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ومجلس رئاسي ثلاثي يضم محمد المنفي وموسى الكوني وعبد الله اللافي.
فشل الانتخابات وعود الانقسام
كان من المخطط إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ديسمبر 2021، لكن الخلافات القانونية والسياسية حالت دون ذلك، مما أدى إلى إلغائها. وعقب ذلك، أعلن مجلس النواب الليبي انتهاء ولاية حكومة الوحدة وإقالة الدبيبة، وتعيين فتحي باشاغا كرئيس للحكومة الجديدة.
لكن الدبيبة رفض القرار وظل في منصبه من طرابلس، مما أعاد ليبيا إلى مربع الانقسام مرة أخرى.
مستقبل ليبيا: مقترحات الحلول
مع استمرار الأزمة، ظهرت عدة مقترحات لحلحلة الوضع:
- المجلس التأسيسي: يقترح بعض الخبراء السياسيين تشكيل مجلس تأسيسي جديد يضع دستوراً للبلاد، ويحدد آليات لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
- خارطة طريق أممية: قدمت لجنة استشارية تابعة للأمم المتحدة مقترحاً يتضمن إطاراً زمنياً مدته 6 أشهر لوضع خطة واضحة نحو التسوية السياسية.
- الدور الأمريكي المتزايد: هناك مؤشرات على توجه أمريكي جديد نحو ليبيا، من خلال مناورات عسكرية واستعدادات لدور أكثر فعالية في دعم الاستقرار.
الخلاصة
الوضع في ليبيا يمثل نموذجاً معقداً للانقسام السياسي والمؤسساتي، نتيجة غياب المرجعية الدستورية الواضحة، وعدم الالتزام بالتواريخ والاتفاقيات السابقة. ومع تصاعد التوترات مجدداً، يبدو أن الحل الوحيد المستدام يكمن في التوافق الوطني الحقيقي، بعيداً عن الحسابات الفئوية والتدخلات الخارجية.

تعليق واحد
رائع