
في أول مؤتمر صحفي له عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحياء واحدة من أقدم العقائد في السياسة الخارجية الأمريكية، معلنًا أن الولايات المتحدة “لن تنسى عقيدة مونرو بعد الآن”. هذا التصريح لم يكن مجرد استدعاء تاريخي، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن نصف الكرة الغربي ما زال يُنظر إليه في واشنطن بوصفه مجال نفوذ أمريكي حصري.
بل إن ترامب ذهب أبعد من ذلك، عندما وصف هذه السياسة بأنها تؤكد أن “الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لن يثار حولها أي شك مستقبلاً”، بل وأعاد تسميتها ساخرًا بـ”عقيدة دونرو”. فما هي هذه العقيدة؟ وكيف تطورت عبر قرنين من الزمن؟ ولماذا تعود اليوم إلى قلب النقاشات الدولية؟
ما هي عقيدة مونرو؟
تُعد عقيدة مونرو أحد الأعمدة الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية منذ القرن التاسع عشر. تعود التسمية إلى الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو (1817–1825)، الذي أعلن هذه السياسة في رسالته السنوية إلى الكونغرس بتاريخ 2 ديسمبر/كانون الأول 1823.
جاء الإعلان في سياق دولي مضطرب، شهد تراجع الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية في العالم الجديد، وصعود الولايات المتحدة كقوة إقليمية ناشئة تسعى إلى حماية محيطها الجغرافي من أي نفوذ أجنبي.
مبادئ عقيدة مونرو الأربعة
حدد مونرو في خطابه أربعة مبادئ رئيسية شكّلت جوهر العقيدة:
- عدم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية أو الحروب الأوروبية.
- اعتراف واشنطن بالمستعمرات الأوروبية القائمة آنذاك في نصف الكرة الغربي، دون التدخل فيها.
- رفض أي استعمار أوروبي جديد في نصف الكرة الغربي مستقبلاً.
- اعتبار أي محاولة أوروبية للسيطرة على دول في نصف الكرة الغربي عملًا عدائيًا ضد الولايات المتحدة.
وقد لخّص مونرو فلسفة هذه السياسة بقوله إن “العالم القديم” و”العالم الجديد” يمتلكان نظمًا مختلفة، ويجب أن يبقيا منفصلين سياسيًا واستراتيجيًا.
الدوافع التاريخية لإعلان العقيدة
في ذلك الوقت، كانت معظم دول أمريكا اللاتينية قد حصلت على استقلالها عن إسبانيا والبرتغال، واعترفت الولايات المتحدة بخمس جمهوريات جديدة هي: الأرجنتين، تشيلي، كولومبيا، المكسيك، وبيرو.
لكن واشنطن كانت تخشى من محاولات أوروبية لإعادة فرض السيطرة الاستعمارية، لا سيما في ظل طموحات روسيا القيصرية، التي وسّعت نفوذها في شمال غرب أمريكا الشمالية، خصوصًا في ألاسكا، وفرضت قيودًا على الملاحة الأجنبية عام 1821.
كما شاركت بريطانيا هذه المخاوف، واقترح وزير خارجيتها جورج كانينغ إعلانًا مشتركًا مع الولايات المتحدة يمنع الاستعمار الأوروبي في أمريكا اللاتينية. غير أن وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كوينسي آدامز أقنع مونرو بإصدار إعلان أحادي، محذرًا من أن الشراكة مع لندن قد تقيّد الطموحات التوسعية الأمريكية مستقبلًا.
من إعلان بلا قوة إلى سياسة نافذة
في بداياتها، لم تكن الولايات المتحدة قوة عظمى قادرة على فرض عقيدة مونرو بالقوة، كما لم تُبدِ أوروبا نوايا جدية للعودة إلى أمريكا اللاتينية، ما جعل العقيدة تبدو آنذاك إعلانًا نظريًا أكثر منه سياسة عملية.
لكن مع مرور العقود، بدأ معناها يتغير. فقد أضاف الرئيس جيمس كي بولك (1845–1849) تفسيرًا جديدًا مفاده أن على الدول الأوروبية أيضًا عدم التدخل في أي توسع محتمل للولايات المتحدة نفسها.
ومع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، بدأت أمريكا تتحول تدريجيًا إلى قوة عالمية، متخلية عن سياسة “الانعزالية” التي دعا إليها جورج واشنطن في خطاب وداعه الشهير.
من العصا الغليظة إلى دور “شرطي العالم”
في عام 1904، قدّم الرئيس ثيودور روزفلت تفسيرًا موسعًا لعقيدة مونرو فيما عُرف بـ”لازمة روزفلت”. فقد أعلن أن للولايات المتحدة الحق في التدخل عسكريًا في دول أمريكا اللاتينية إذا عجزت عن الوفاء بالتزاماتها أو شهدت “ممارسات خاطئة متكررة”.
ورأى روزفلت أن التزام واشنطن بعقيدة مونرو قد يفرض عليها، “على مضض”، القيام بدور الشرطة الدولية في نصف الكرة الغربي. وبالفعل، استخدمت الولايات المتحدة هذا المنطق لتبرير تدخلاتها في نيكاراغوا، وكوبا، وهايتي، وجمهورية الدومينيكان.
سياسة حسن الجوار ومحاولة التهدئة
في ثلاثينيات القرن العشرين، حاول الرئيس فرانكلين روزفلت تخفيف حدة هذه السياسة عبر ما عُرف بـدبلوماسية حسن الجوار، القائمة على التعاون بدل التدخل العسكري المباشر. ورغم ذلك، ظل كثير من المراقبين يرون أن عقيدة مونرو بقيت أداة لتبرير النفوذ الأمريكي في المنطقة.
أزمة الصواريخ الكوبية: اختبار العقيدة
بلغ استحضار عقيدة مونرو ذروته خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما فرض الرئيس جون إف كينيدي حصارًا بحريًا وجويًا على كوبا بعد نشر الاتحاد السوفيتي صواريخ نووية على بعد 90 ميلًا فقط من السواحل الأمريكية.
كادت الأزمة أن تشعل حربًا نووية، قبل أن تُحل بتسوية تاريخية تضمنت إزالة الصواريخ السوفيتية مقابل تعهد أمريكي بعدم غزو كوبا، وسحب صواريخ أمريكية من تركيا سرًا.
عقيدة ريغان والحرب الباردة
في عام 1985، قدّم الرئيس رونالد ريغان تفسيرًا جديدًا للعقيدة ضمن سياق الحرب الباردة، معلنًا ما عُرف بـعقيدة ريغان، التي ركزت على مواجهة النفوذ الشيوعي عالميًا.
انطلاقًا من هذا المنطق، دعمت واشنطن حركات مسلحة في نيكاراغوا، وقدّمت دعمًا واسعًا للمجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفيتي.
ما بعد الحرب الباردة: نهاية أم عودة؟
مع انتهاء الحرب الباردة، خففت الولايات المتحدة من تدخلاتها العسكرية المباشرة في أمريكا اللاتينية، لكنها احتفظت بنفوذ سياسي واقتصادي كبير.
وفي عام 2013، أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري “انتهاء حقبة عقيدة مونرو”، في خطاب أمام منظمة الدول الأمريكية. غير أن هذا الإعلان قوبل بتشكيك واسع في أمريكا اللاتينية، واعتُبر مجرد تصريح دبلوماسي.
سرعان ما عادت العقيدة إلى الواجهة مع إدارة ترامب، حيث أكد وزير خارجيته ريكس تيلرسون أنها “ما تزال ملائمة اليوم”، بينما شدد مستشار الأمن القومي جون بولتون على أنها “لا تزال على قيد الحياة”.
عقيدة مونرو وأزمة أوكرانيا: مقارنات معاصرة
أعاد هذا التاريخ الطويل طرح تساؤلات حادة خلال الأزمة الأوكرانية. فقد تساءل السيناتور بيرني ساندرز: هل كانت الولايات المتحدة ستلتزم الصمت لو عقدت المكسيك أو كوبا تحالفًا عسكريًا مع خصم لواشنطن؟
ورغم تحميله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مسؤولية الغزو، دعا ساندرز إلى تفادي حرب مدمرة، مشيرًا إلى أوجه الشبه بين عقيدة مونرو الأمريكية ومنطق مناطق النفوذ الذي تستند إليه روسيا.
خاتمة: عقيدة لم تمت
رغم مرور أكثر من قرنين على إعلانها، لا تزال عقيدة مونرو حاضرة بقوة في الفكر السياسي الأمريكي، تتغير تسميتها وتفسيراتها، لكن جوهرها يبقى واحدًا: رفض أي نفوذ خارجي في محيط تعتبره الولايات المتحدة مجالًا حيويًا لها.
وبين من يراها سياسة دفاعية مشروعة، ومن يعدّها أداة هيمنة، تظل عقيدة مونرو واحدة من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في التاريخ السياسي الحديث.
