
في الخامس عشر من مايو/أيار من كل عام، يُحيي الفلسطينيون ذكرى “النكبة”، وهي الحدث التاريخي الذي غيّر ملامح فلسطين والمنطقة بالكامل، بعدما أدت حرب عام 1948 إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وتحويلهم إلى لاجئين داخل الوطن وخارجه.
ولا تزال النكبة تمثل القضية المركزية للشعب الفلسطيني، ليس فقط باعتبارها حدثاً تاريخياً، بل لأنها ما زالت تلقي بظلالها السياسية والإنسانية على حاضر الفلسطينيين ومستقبلهم.
بداية النكبة الفلسطينية ونشأة الحركة الصهيونية
تعود جذور النكبة إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما ظهرت الحركة الصهيونية في أوروبا كحركة سياسية تدعو إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وفي عام 1896، طرح مؤسس الحركة الصهيونية “ثيودور هرتزل” فكرة إنشاء دولة يهودية باعتبارها حلاً لما تعرض له اليهود من اضطهاد ومعاداة للسامية في أوروبا.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، أصبحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، لتبدأ مرحلة جديدة من التحولات السياسية الخطيرة في المنطقة.
وعد بلفور وتمهيد الطريق لإقامة إسرائيل
في عام 1917، أصدرت بريطانيا “وعد بلفور”، الذي تعهد بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مع الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية للفلسطينيين.
وشكّل هذا الوعد نقطة تحول مفصلية، إذ بدأت موجات الهجرة اليهودية تتزايد إلى فلسطين، خاصة من أوروبا الشرقية، هرباً من الاضطهاد.
ومع توسع الاستيطان وشراء الأراضي الفلسطينية، تصاعد التوتر بين الفلسطينيين والمهاجرين اليهود، ما أدى إلى اندلاع مواجهات وأحداث دامية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام 1936
في عام 1936، اندلعت الثورة العربية الكبرى ضد الانتداب البريطاني، احتجاجاً على سياسة الهجرة اليهودية وشراء الأراضي الفلسطينية.
وطالب الفلسطينيون حينها بوقف الهجرة اليهودية وإقامة دولة عربية مستقلة، لكن الثورة انتهت بعد سنوات من المواجهات العنيفة التي خلفت آلاف الضحايا الفلسطينيين.
وبعد الثورة، أصدرت بريطانيا “الكتاب الأبيض” عام 1939، الذي نص على تقييد الهجرة اليهودية، لكنه لم ينجح في إنهاء الصراع المتصاعد داخل فلسطين.
قرار تقسيم فلسطين عام 1947
في عام 1947، أصدرت الأمم المتحدة القرار 181 المعروف باسم “قرار التقسيم”، والذي نص على تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية، مع وضع القدس تحت إدارة دولية.
ومنح القرار نحو 55% من أراضي فلسطين للدولة اليهودية، رغم أن الفلسطينيين كانوا يشكلون الأغلبية السكانية آنذاك.
ورفض الفلسطينيون والدول العربية القرار، معتبرين أنه غير عادل وينتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
حرب 1948 وبداية النكبة الفلسطينية
في 14 مايو/أيار 1948، أعلنت إسرائيل قيام دولتها رسمياً، لتنطلق بعدها الحرب العربية الإسرائيلية الأولى بمشاركة عدة جيوش عربية.
وخلال الحرب، تعرضت مئات القرى والمدن الفلسطينية للهجوم، ما أدى إلى تهجير نحو 750 ألف فلسطيني من أراضيهم، في واحدة من أكبر عمليات النزوح القسري في التاريخ الحديث.
كما سيطرت إسرائيل على مساحات واسعة من الأراضي التي كانت مخصصة للدولة الفلسطينية وفق قرار التقسيم.
وبنهاية الحرب عام 1949، أصبحت الضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية، بينما خضع قطاع غزة للإدارة المصرية.
حق العودة.. القضية التي لم تُحل حتى اليوم
يعتبر الفلسطينيون “حق العودة” من أهم حقوقهم الوطنية، ويستندون إلى القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، والذي نص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم أو الحصول على تعويضات.
لكن إسرائيل ترفض تنفيذ هذا القرار، معتبرة أن عودة اللاجئين الفلسطينيين تهدد الطابع اليهودي للدولة.
واليوم، يوجد ملايين الفلسطينيين المسجلين كلاجئين في دول عربية عدة، إضافة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.
لماذا يحمل الفلسطينيون مفاتيح العودة؟
تحولت “مفاتيح العودة” إلى أحد أبرز الرموز الفلسطينية المرتبطة بالنكبة، إذ احتفظ الفلسطينيون الذين هُجّروا من ديارهم بمفاتيح منازلهم، على أمل العودة إليها يوماً ما.
ومع مرور العقود، أصبحت هذه المفاتيح رمزاً للهوية الفلسطينية والصمود والتمسك بحق العودة.
ويحرص الفلسطينيون على رفع هذه المفاتيح خلال إحياء ذكرى النكبة في مختلف أنحاء العالم.
إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية
يحيي الفلسطينيون ذكرى النكبة سنوياً في 15 مايو/أيار، من خلال فعاليات ومسيرات تؤكد تمسكهم بحقوقهم الوطنية.
وفي عام 1998، أعلن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات هذا اليوم مناسبة وطنية رسمية.
كما اعتمدت الأمم المتحدة عام 2022 قراراً لإحياء ذكرى النكبة لأول مرة داخل المنظمة الدولية في مايو/أيار 2023.
النكبة الفلسطينية.. جرحٌ مفتوح حتى اليوم
بعد أكثر من سبعة عقود، لا تزال النكبة حاضرة بقوة في حياة الفلسطينيين، سواء عبر معاناة اللاجئين أو استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويرى كثيرون أن النكبة لم تنتهِ بعد، بل ما زالت تتجدد بأشكال مختلفة، في ظل استمرار الاحتلال والتوترات السياسية والإنسانية في الأراضي الفلسطينية.
