
حتى اليوم، لا يمتلك العلماء دليلًا يمكنه الكشف عن أول كلمة أو جملة قالها الإنسان. فالكلمات المنطوقة تختفي بمجرد نطقها، ولم يكن لدى البشر الأوائل وسيلة لتسجيل أصواتهم.
لكن المؤكد أن اللغة المنطوقة أقدم بكثير من الكتابة.
وتشير الأدلة الأثرية إلى ظهور بعض أقدم أشكال الكتابة المعروفة في بلاد الرافدين قبل عام 3200 قبل الميلاد، حيث استخدم الكتبة ألواح الطين لتسجيل السلع والمعاملات والحسابات.
ومع ذلك، لم تكن تلك اللحظة بداية اللغة.
فالبشر كانوا يتحدثون ويتبادلون القصص والخبرات والأسماء قبل أن يتعلموا تثبيت كلماتهم على الطين بآلاف السنين.
وهنا تظهر حقيقة أساسية لفهم بقاء اللغات واختفائها: اللغة تعيش عندما تنتقل من جيل إلى آخر.
كيف تبقى اللغة حية؟
لا تحتاج اللغة في الأصل إلى كتب أو معاجم حتى تستمر.
فالطفل يسمع الكلمات من والديه وأفراد أسرته، ثم يبدأ تدريجيًا باستخدامها لتسمية الأشياء والأشخاص والتعبير عن احتياجاته وطرح الأسئلة وسرد القصص.
وبهذه الطريقة تنتقل اللغة من جيل إلى الجيل الذي يليه.
لكن الخطر يبدأ عندما يتوقف الأطفال عن تعلم لغة آبائهم.
قد يستمر الكبار في استخدامها، وقد يفهمها الجيل التالي دون أن يتحدث بها بطلاقة، ثم تصبح محصورة تدريجيًا بين كبار السن.
وفي النهاية، قد يأتي يوم لا يبقى فيه شخص قادر على إجراء محادثة كاملة بهذه اللغة.
كم لغة مهددة بالانقراض في العالم؟
تكشف الدراسات اللغوية حجم المشكلة بصورة لافتة.
فبحسب تقديرات مشروع كتالوغ اللغات المهددة ELCat، بلغ عدد اللغات المهددة 3,176 لغة، وهو ما كان يعادل نحو 46% من لغات العالم وفق بيانات بحثية عُرضت عام 2013.
كما وثق المشروع 639 لغة انقرضت بالفعل، من بينها 227 لغة اختفت منذ عام 1960.
وتشير بيانات نشرتها اليونسكو عام 2016 إلى أن عددًا كبيرًا من اللغات المهددة تتحدث بها مجتمعات صغيرة للغاية.
ومن بين اللغات التي توافرت بيانات عن أعداد مستخدميها، كان هناك 1,749 لغة يقل عدد المتحدثين بكل واحدة منها عن عشرة آلاف شخص.
لكن معرفة العدد الحقيقي للغات التي اختفت عبر التاريخ تكاد تكون مستحيلة.
فآلاف اللغات ربما ظهرت وعاشت ثم اختفت قبل وجود التسجيلات الصوتية والدراسات اللغوية الحديثة، ولم تترك وراءها كتبًا أو نصوصًا أو معاجم تخبرنا عنها.
هل يفقد العالم لغة كل أسبوعين؟
يُستخدم على نطاق واسع تقدير يفيد بأن العالم يفقد لغة كل أسبوعين تقريبًا.
لكن تحديد معدل دقيق لانقراض اللغات أكثر تعقيدًا مما يبدو.
فقد قدّر الباحثان لايل كامبل وإيف أوكورا عام 2018 معدل الاختفاء بنحو لغة واحدة كل 12 أسبوعًا، استنادًا إلى الحالات التي أمكن معرفة تاريخ توقف استخدامها.
ولا يعني اختلاف التقديرات أن أحد الرقمين صحيح والآخر خاطئ بالضرورة.
المشكلة تكمن في تعريف اللحظة التي يمكن عندها القول إن اللغة قد انقرضت.
قد يموت آخر شخص يتحدثها بطلاقة، بينما يبقى أشخاص آخرون قادرين على فهم بعض كلماتها وعباراتها.
وقد تتوقف اللغة عن الانتقال إلى الأطفال قبل وفاة آخر متحدث بها بعشرات السنين.
لهذا يفضل بعض الباحثين استخدام تعبير «لغة نائمة» بدلًا من «لغة منقرضة» في الحالات التي يبقى فيها مجتمع مرتبط باللغة ويسعى إلى تعلمها وإحيائها من جديد.
كيف تبدأ اللغة بالانقراض؟
وضعت مجموعة من خبراء اليونسكو عام 2003 مجموعة من المعايير لتقييم قوة اللغات ومدى تعرضها للخطر.
وكان أحد أهم الأسئلة:
هل ما زال الأطفال يتعلمون اللغة من آبائهم؟
عندما تستخدم جميع الأجيال اللغة، تكون فرص بقائها قوية.
لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما يقتصر استخدام الأطفال لها على أماكن محدودة مثل المنزل.
وتدخل اللغة مرحلة أكثر خطورة عندما يتوقف الأطفال عن تعلمها كلغة أم.
ثم قد يصل المجتمع إلى مرحلة يتحدث فيها الأجداد باللغة، بينما يفهمها الآباء دون استخدامها مع أطفالهم.
أما المرحلة الحرجة فتأتي عندما يصبح أصغر المتحدثين باللغة من كبار السن ولا يستخدمونها إلا في مواقف محدودة.
كيف يعرف الباحثون أن لغة ما في خطر؟
لا يعتمد تقييم وضع اللغة على عدد المتحدثين بها فقط.
بل يدرس الباحثون مجموعة واسعة من العوامل، من بينها:
- أعمار الأشخاص الذين يتحدثون اللغة.
- عدد المتحدثين بها.
- الأماكن التي تستخدم فيها.
- مدى وجودها داخل المدارس.
- استخدامها في وسائل الإعلام.
- حضورها في الإنترنت والفضاء الرقمي.
- وجود كتب ومناهج ومواد تعليمية بها.
- موقف المؤسسات الرسمية منها.
- نظرة أفراد المجتمع إلى لغتهم.
- مقدار ما جرى توثيقه من مفرداتها وقواعدها.
لكن يبقى انتقال اللغة من الآباء إلى الأطفال من أهم المؤشرات على قدرتها على الاستمرار.
لماذا يتوقف الناس عن التحدث بلغتهم الأصلية؟
قد يبدو الأمر وكأنه اختيار شخصي، لكن الدراسات تشير إلى أن الأسباب أكثر تعقيدًا.
فقد تتراجع لغة نتيجة الحروب أو الضغوط الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية، كما يمكن أن يساهم نظام تعليمي لا يمنح اللغة مكانًا في المدارس في تسريع انحسارها.
وفي بعض المجتمعات، يقرر الآباء استخدام لغة أكثر انتشارًا مع أطفالهم اعتقادًا بأنها ستمنحهم فرصًا أفضل في الدراسة والعمل.
ومع مرور السنوات، تصبح اللغة الأكثر انتشارًا هي لغة المدرسة والجامعة والعمل والحياة اليومية، بينما تنحصر لغة الأسرة داخل المنزل.
ثم يبدأ استخدامها في المنزل نفسه بالتراجع.
هل التعليم بلغة عالمية يهدد اللغات المحلية؟
درست الباحثة ليندل برومهام وزملاؤها أوضاع نحو سبعة آلاف لغة في دراسة نشرت عام 2022.
وأشارت النتائج إلى زيادة الخطر عندما يقضي الأطفال سنوات طويلة في الدراسة بلغة مهيمنة، بينما لا تحصل لغة المنزل على مساحة مناسبة داخل النظام التعليمي.
لكن هذا لا يعني أن التعليم أو المدارس يؤديان تلقائيًا إلى اختفاء اللغات.
فالتعليم ثنائي اللغة يمكن أن يسمح للطفل بالتعلم والانفتاح على لغة واسعة الانتشار مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بلغة أسرته ومجتمعه.
المشكلة تظهر عندما تصبح لغة واحدة ضرورية تقريبًا لكل شيء: المدرسة والجامعة والعمل والخدمات، بينما تفقد اللغة الأخرى وظائفها الاجتماعية تدريجيًا.
الطرق والمدن والهجرة.. عوامل غير متوقعة
وجد الباحثون أيضًا ارتباطًا بين انتشار شبكات الطرق وارتفاع مستوى التهديد الذي تواجهه بعض اللغات.
فالطرق تربط المجتمعات الصغيرة بالمدن وتمنح السكان فرصًا أكبر للوصول إلى التعليم والعمل والخدمات.
لكنها في الوقت نفسه توسع نطاق استخدام اللغات الكبرى.
وتؤدي الهجرة إلى ضغط مشابه.
فعندما ينتقل أفراد مجتمع صغير إلى مدن أو دول مختلفة، قد يصبح من الصعب العثور على أشخاص يستخدمون اللغة نفسها بصورة يومية.
وهكذا قد يتحدث بها الأجداد، بينما يفهمها الآباء دون استخدامها باستمرار، ثم يكبر الأطفال وهم لا يعرفون منها إلا عددًا محدودًا من الكلمات.
كيف تؤدي الحروب إلى اختفاء اللغات؟
الحروب لا تغير الحدود والمجتمعات فقط، بل يمكنها أيضًا تغيير الخريطة اللغوية.
عندما تضطر العائلات إلى مغادرة بلداتها والتفرق بين مناطق ودول مختلفة، تفقد اللغة جزءًا من البيئة الاجتماعية التي كانت تساعدها على الاستمرار.
ويكبر الأطفال في أماكن يسمعون فيها لغة المدرسة والشارع أكثر من لغة آبائهم.
ومع مرور الوقت، قد تصبح لغة الأسرة محدودة الاستخدام.
ومن الأمثلة على ذلك الآرامية الغربية الحديثة في سوريا.
ففي دراسة بحثية نُشرت عام 2025، وُصفت اللغة بأنها مهددة بشدة، وقدّر الباحثون عدد المتحدثين بها بأقل من ثلاثة آلاف شخص، يتركز معظمهم في معلولا وجبعدين.
ويربط الباحثون تراجع استخدامها بتداعيات الحرب السورية والنزوح الذي أدى إلى تشتت جزء من المجتمع المتحدث بها.
محاولة رقمية لحفظ لغة معلولا
يحاول الباحثون توثيق اللغات المهددة قبل فقدان المزيد منها.
وفي عام 2022، قدم باحثون أول مدونة إلكترونية لكلام معلولا خلال مؤتمر الموارد اللغوية والتقييم في مرسيليا.
وتضم المدونة 64,845 كلمة، بالإضافة إلى تسجيلات صوتية ونصوص وتحليلات لغوية.
وتوفر مثل هذه المشروعات مادة مهمة للباحثين والأجيال المقبلة.
لكن تسجيل اللغة وحده لا يجعلها لغة حية.
فالملف الصوتي يستطيع الاحتفاظ بصوت المتحدث، لكنه لا يستطيع أن يحل محل مجتمع يستخدم اللغة يوميًا وينقلها بصورة طبيعية إلى أطفاله.
قصة اللغة الأوبيخية.. من التهجير إلى آخر متحدث
تقدم اللغة الأوبيخية واحدة من أشهر الأمثلة على الكيفية التي يمكن بها للأحداث السياسية والهجرة أن تغير مصير لغة كاملة.
كانت الأوبيخية مستخدمة بالقرب من مدينة سوتشي الحالية على الساحل الشرقي للبحر الأسود.
لكن الحروب في منطقة القوقاز غيرت حياة المجتمع المتحدث بها.
وتشير دراسة نشرت عام 2014 إلى أن معظم الأوبيخ اضطروا إلى مغادرة القوقاز عام 1864، وانتقل نحو 30 ألف شخص منهم إلى أراضي الدولة العثمانية.
وفي موطنهم الجديد، أصبحت التركية ضرورية للحياة اليومية، كما عاش الأوبيخ بجوار جماعات تستخدم لغات قوقازية أخرى.
ومع مرور الأجيال، بدأ الشباب بالابتعاد عن لغتهم الأصلية.
من كان آخر شخص يتحدث الأوبيخية؟
استمرت اللغة الأوبيخية في التراجع حتى لم يبق سوى شخص واحد يتقنها بصورة كاملة، وهو توفيق إسنتش.
وقبل وفاته تعاون إسنتش مع باحثين ولغويين لتسجيل كلمات اللغة وأصواتها والحفاظ على أكبر قدر ممكن منها.
لكن أبناءه الثلاثة لم يكونوا قادرين على إجراء محادثة كاملة بالأوبيخية.
وفي 7 أكتوبر/تشرين الأول 1992 توفي توفيق إسنتش.
وبوفاته توقفت الأوبيخية عن كونها لغة حية يستخدمها مجتمع في الحديث اليومي.
وبقيت تسجيلاتها وموادها اللغوية شاهدة على لغة كانت يومًا وسيلة التواصل الطبيعية لمجتمع كامل.
عندما تمنع المدرسة لغة الطفل
توضح تجربة السكان الأصليين في كندا أن اختفاء اللغات لا يحدث دائمًا بصورة طبيعية.
فقد ساهم نظام المدارس الداخلية في فصل أعداد كبيرة من الأطفال عن أسرهم ومجتمعاتهم.
وتشير مواد اليونسكو إلى أن هذا النظام استمر قرابة 150 عامًا، وكان يستهدف دمج أطفال السكان الأصليين في مجتمع المستوطنين.
وخلال تلك الفترة، حُرمت أجيال من الأطفال من استخدام لغاتها ومن كثير من المعارف والممارسات التي كانت تنتقل داخل الأسرة.
وأشارت دراسة منشورة عام 2021 إلى أن الأطفال مُنعوا من استخدام لغاتهم داخل هذه المدارس، وأن آثار هذه السياسات امتدت إلى الأجيال التالية.
فالطفل الذي ينفصل عن أسرته ويُمنع من التحدث بلغته قد يعود إلى مجتمعه من دون إتقانها بصورة كاملة.
ومع مرور الأجيال، يمكن أن تنقطع السلسلة التي كانت تنقل اللغة من الآباء إلى الأبناء.
هل يمكن إنقاذ لغة مهددة بالانقراض؟
تصنيف لغة بأنها مهددة لا يعني أن اختفاءها أصبح أمرًا حتميًا.
فيمكن لبعض اللغات أن تستعيد حضورها عندما يقرر أفراد المجتمع استخدامها من جديد وتعليمها للأطفال.
وتزداد فرص نجاح جهود الإحياء عندما تدخل اللغة إلى:
- المنازل والحياة اليومية.
- المدارس والمناهج التعليمية.
- الكتب وقصص الأطفال.
- وسائل الإعلام.
- الإنترنت والمنصات الرقمية.
- الأنشطة الثقافية والاجتماعية.
وقد تستمر لغة يتحدث بها عدد قليل من الأشخاص لعقود أو قرون إذا ظل الأطفال يتعلمونها ويستخدمونها.
وفي المقابل، قد تتراجع لغة يتحدث بها عدد أكبر إذا توقف الجيل الجديد عن استخدامها.
ماذا نفقد عندما تموت لغة؟
اختفاء اللغة لا يعني فقدان مجموعة من الكلمات فقط.
فاللغة تحمل داخلها ذاكرة المجتمع وطرقه في وصف العالم، كما تنتقل من خلالها القصص والأسماء والتجارب والمعارف بين الأجيال.
ولهذا فإن تسجيل اللغات المهددة وإنشاء المعاجم والمدونات الصوتية والمواد التعليمية يمثل خطوة مهمة في الحفاظ عليها.
لكن العامل الأكثر أهمية يظل وجود أشخاص يستخدمون اللغة في حياتهم اليومية.
فاللغة لا تعيش في المعاجم وحدها، بل تعيش عندما يقول شخص جملة ويجد أمامه شخصًا يفهمها ويجيبه باللغة نفسها.
وهنا ربما يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم شخصًا يعرف بعض كلمات هذه اللغة؟
بل:
هل ما زال هناك طفل يتعلمها اليوم وسيكون قادرًا على نقلها إلى جيل جديد غدًا؟
