
دعا المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي قادة الدول الإسلامية، وفي مقدمتهم قادة دول الشرق الأوسط والخليج، إلى توحيد مواقفهم في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، في رسالة جديدة تأتي وسط مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة لإيران وعلاقاتها مع دول المنطقة.
وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا”، دعا خامنئي قادة المنطقة إلى ما وصفه بـ”معرفة العدو الحقيقي وفهم مخططاته والتصدي لها”، معتبراً أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تستهدفان الجمهورية الإسلامية و”محور المقاومة” وحدهما، وإنما جميع الدول الإسلامية في غرب آسيا وشمال أفريقيا، بما في ذلك الدول التي تقيم علاقات تعاون معهما.
وتكتسب الرسالة أهمية إضافية لأنها تأتي بعد أشهر من التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة، وفي ظل استمرار غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ اختياره مرشداً أعلى لإيران.
خامنئي يدعو إلى الوحدة داخل إيران
لم تقتصر رسالة المرشد الإيراني على السياسة الخارجية، إذ دعا الإيرانيين أيضاً إلى المحافظة على الوحدة الداخلية وتجنب الخلافات التي قد تؤدي إلى انقسامات داخل المجتمع.
وتعد هذه ثاني رسالة من نوعها خلال فترة قصيرة تركز على التماسك الداخلي، بعدما حذر خامنئي، في رسالة نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية في 28 أغسطس/آب، من الخطابات التي يمكن أن تؤدي إلى الانقسام الاجتماعي.
وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية وسياسية وعسكرية متزايدة، وهو ما يجعل الحفاظ على الاستقرار الداخلي إحدى أبرز أولويات القيادة الإيرانية.
غياب مجتبى خامنئي يثير التساؤلات
ورغم صدور عدد من المواقف والرسائل المنسوبة إلى مجتبى خامنئي منذ توليه منصب المرشد الأعلى، فإن جميعها تقريباً جاءت في صورة بيانات مكتوبة.
ولم يظهر خامنئي علناً، كما لم تنشر السلطات الإيرانية، وفقاً للمادة المنشورة، صوراً أو تسجيلات صوتية أو مصورة حديثة له منذ تعيينه.
وأدى هذا الغياب إلى تصاعد التساؤلات بشأن حالته الصحية ومدى مشاركته بصورة مباشرة في إدارة الملفات السياسية والعسكرية الإيرانية.
وكان مجتبى قد أصيب في الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي أودت بحياة والده، المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
ونقلت رويترز عن ثلاثة أشخاص مقربين من دائرته الداخلية قولهم إن إصاباته كانت خطيرة وشملت الوجه والساقين، فيما قالت الوكالة إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه التفاصيل.
ولم تقدم السلطات الإيرانية حتى الآن، وفقاً للتقارير المشار إليها، معلومات طبية تفصيلية وعلنية بشأن طبيعة إصاباته.
هل تغيّر خطاب إيران تجاه دول الخليج؟
تأتي دعوة خامنئي إلى التعاون مع دول المنطقة بعد مرحلة من التوتر الحاد بين طهران ودول الخليج على خلفية الحرب والعمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة.
وقبل اندلاع المواجهات، سعت السعودية وقطر وعُمان إلى إقناع واشنطن بعدم شن هجوم على إيران.
وبحسب رويترز، أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن السعودية لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران.
لكن العلاقات دخلت لاحقاً مرحلة أكثر توتراً بعد الرد الإيراني على الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
ووفق تحقيق لرويترز، تعرضت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ولم تقتصر الأهداف على قواعد عسكرية أمريكية، وإنما شملت أيضاً مطارات ومنشآت نفطية ومواقع مدنية.
كما أسهمت القيود الإيرانية المفروضة على حركة الملاحة في مضيق هرمز في تراجع حركة السفن واضطراب صادرات الطاقة والتجارة الإقليمية.
توتر غير مسبوق بين إيران والخليج
أدت تلك التطورات إلى ردود فعل خليجية غاضبة.
ووصف رئيس الوزراء القطري التحركات الإيرانية بأنها “خيانة”، مشيراً إلى أنها وقعت رغم تأكيد دول الخليج موقفها المحايد من الصراع.
كما قال وزير الخارجية السعودي إن الثقة بطهران “تحطمت”، مؤكداً احتفاظ بلاده بحقها في اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران.
وعاد التوتر إلى التصاعد خلال أغسطس/آب، بعدما حذرت طهران من إمكانية استهداف منشآت الطاقة الخليجية في حال تعرض الأراضي الإيرانية لهجمات أمريكية جديدة.
وفي تطور آخر، أعلنت الإمارات تعليق الأنشطة التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، بعد رصد صاروخين قالت أبوظبي إنهما أطلقا من الأراضي الإيرانية.
ورغم ذلك، ظلت قنوات الاتصال الدبلوماسية مفتوحة، إذ واصلت قطر وعُمان جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، خصوصاً في المحادثات المتعلقة بإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.
رسالة خامنئي.. محاولة لفتح صفحة جديدة؟
مقارنة بالتهديدات الإيرانية السابقة، تبدو رسالة مجتبى خامنئي أكثر ميلاً إلى مخاطبة دول الخليج بلغة التعاون والمصالح المشتركة.
فالمرشد الإيراني دعا قادة المنطقة بصورة مباشرة إلى الوقوف مع طهران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، في تحول لافت عن لغة التصعيد التي سيطرت على المشهد خلال الأشهر السابقة.
لكن الرسالة لم تتطرق إلى الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج، كما لم تطرح مبادرة سياسية واضحة لإعادة بناء الثقة أو معالجة الخلافات بين الطرفين.
وفي الوقت نفسه، تضمنت الرسالة انتقاداً ضمنياً لعلاقات بعض الدول الإسلامية مع واشنطن، بعدما أكد خامنئي أن التعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا يعني أن هذه الدول بمنأى عما وصفه بالمخططات التي تستهدف المنطقة.
لذلك يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الرسالة تمثل بداية تحول حقيقي في السياسة الإيرانية تجاه الخليج، أم أنها محاولة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية في ظل الضغوط التي تواجهها طهران.
كيف وصل مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى؟
تولى مجتبى خامنئي قيادة إيران بعد مقتل والده علي خامنئي في الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط.
وأصيب مجتبى نفسه خلال تلك الضربات، قبل اختياره مرشداً أعلى في 8 مارس/آذار، أي بعد ثمانية أيام من اندلاع الحرب، بينما كانت إيران تمر بإحدى أخطر أزماتها السياسية والعسكرية منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وقبل وصوله إلى المنصب، كان مجتبى خامنئي يعمل إلى حد كبير بعيداً عن الأضواء، لكنه كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز مساعدي والده داخل منظومة الحكم الإيرانية.
ونادراً ما ظهر أمام الجمهور، إلا أن استمرار غيابه بعد وصوله إلى أعلى منصب سياسي وديني في البلاد أثار اهتماماً أكبر، خصوصاً أن المرشد الأعلى يمتلك الكلمة الفصل في عدد من الملفات السياسية والعسكرية والاستراتيجية.
لماذا لا يظهر مجتبى خامنئي أمام الإيرانيين؟
وفقاً لمسؤولين ومصادر إيرانية تحدثت إلى رويترز، يرتبط غياب خامنئي باستمرار تعافيه من الإصابات التي تعرض لها، إضافة إلى مخاوف أمنية من إمكانية استهدافه مجدداً من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وقال مسؤول إيراني رفيع للوكالة إن دائرة محدودة من المسؤولين فقط تتواصل معه بصورة مباشرة، بينما تتجنب السلطات الكشف عن معلومات تفصيلية بشأن تحركاته خشية تسرب بيانات يمكن استخدامها لتحديد موقعه.
كما نقلت رويترز عن مصدر قريب من دائرته الداخلية قوله إن الحالة الصحية لخامنئي تشهد تحسناً ملحوظاً، وإنه لا يزال متيقظاً ويشارك في عملية صنع القرار.
ومع ذلك، فإن عدم تقديم معلومات طبية علنية أو نشر صور وتسجيلات حديثة للمرشد الإيراني أبقى باب التكهنات مفتوحاً.
وزادت التساؤلات بعد غيابه عن مراسم تشييع والده وعدم توجيهه خطاباً مرئياً أو مسموعاً للإيرانيين، مع اقتصار ظهوره السياسي على البيانات المكتوبة التي تنقلها وسائل الإعلام الرسمية.
هل يدير مجتبى خامنئي إيران فعلياً؟
رغم غيابه عن المشهد العلني، تؤكد مصادر ومسؤولون إيرانيون تحدثوا إلى رويترز أن خامنئي لا يزال يمتلك القرار النهائي في القضايا الكبرى.
وتقول هذه المصادر إنه يعقد اجتماعات دورية مع كبار المسؤولين ويتلقى تقارير بشأن الحرب والاقتصاد والسياسة الخارجية.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 10 أغسطس/آب إنه عقد اجتماعاً مع خامنئي استمر نحو سبع ساعات، وفق ما نقلته رويترز.
وترى مصادر إيرانية أن استمرار مؤسسات الدولة في أداء مهامها، إلى جانب وجود قدر من الانسجام في مواقف السياسة الخارجية، يمثل دليلاً على استمرار المرشد في ممارسة صلاحياته.
إلا أن غياب الأدلة العلنية المستقلة بشأن طبيعة تلك الاجتماعات ومدى مشاركة خامنئي الشخصية في القرارات الكبرى ما زال يغذي الشكوك.
وبحسب رويترز، وصلت هذه التساؤلات إلى شرائح مختلفة داخل المجتمع الإيراني، بمن فيهم بعض مؤيدي النظام الذين يرون أن ظهور المرشد أو سماع صوته يمكن أن يعزز الثقة بقيادة الدولة.
من يدير إيران في غياب المرشد عن المشهد العلني؟
تشير مصادر إيرانية نقلت عنها رويترز إلى أن مجتبى خامنئي منح كبار المسؤولين صلاحيات واسعة لإدارة الملفات اليومية، مع احتفاظه، بحسب تلك المصادر، بالقرار النهائي في القضايا الاستراتيجية.
وتضم دائرة صنع القرار شخصيات بارزة في الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومسؤولين في المجلس الأعلى للأمن القومي.
وتشير تقديرات إلى أن نفوذ الحرس الثوري ازداد منذ اندلاع الحرب، وأنه أصبح أكثر حضوراً في عملية صنع القرار ضمن إعادة ترتيب منظومة السلطة الإيرانية.
كما ذهبت تحليلات صادرة عن مراكز بحثية، بينها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومنتدى الخليج الدولي، إلى أن عملية إدارة إيران أصبحت أكثر جماعية بالتزامن مع تصاعد دور الحرس الثوري في القرارات الاستراتيجية.
ويشير هذا المشهد إلى أن فهم آلية الحكم الإيرانية لا يتوقف فقط على معرفة موقف المرشد الأعلى، وإنما يتطلب أيضاً متابعة شبكة المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية التي تشارك في صياغة قرارات الدولة.
الحرب والعقوبات.. تحديات ثقيلة أمام القيادة الإيرانية
تأتي تحركات مجتبى خامنئي في وقت تواجه فيه إيران تداعيات أشهر من الحرب، إلى جانب العقوبات الأمريكية والضغوط المفروضة على صادرات النفط.
ورغم مقتل المرشد السابق وعدد من كبار القادة، حافظت مؤسسات النظام الإيراني على قدر من التماسك.
وفي المقابل، ما زالت طهران تمتلك أدوات ضغط إقليمية، من بينها قدرتها على التأثير في حركة إمدادات الطاقة وتهديد المصالح الأمريكية ومصالح حلفاء واشنطن في المنطقة.
لكن التحدي الاقتصادي قد يكون من أخطر الملفات التي تواجه القيادة الإيرانية.
فكلفة الحرب والعقوبات وتراجع صادرات النفط فرضت ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد، بالتزامن مع انخفاض قيمة العملة وتصاعد المخاوف من عودة الاحتجاجات الداخلية.
وبحسب مصادر تحدثت إلى رويترز، أعادت القيادة الإيرانية ترتيب أولوياتها للتركيز على حماية النظام واستعادة قدرة الردع ومنع التداعيات الاقتصادية للحرب من التحول إلى أزمة تهدد الاستقرار الداخلي.
إيران والخليج أمام مرحلة جديدة
تكشف رسالة مجتبى خامنئي عن مفارقة واضحة في السياسة الإقليمية الإيرانية: فطهران التي دخلت في مواجهة حادة مع دول الخليج خلال الأشهر الماضية تعود اليوم لتطالب هذه الدول بالاصطفاف معها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن نجاح هذا الخطاب سيعتمد على ما ستفعله إيران على أرض الواقع، وليس على مضمون الرسائل السياسية وحدها.
فاستعادة الثقة بين طهران والعواصم الخليجية تبدو أكثر تعقيداً بعد الهجمات والتهديدات والتوتر حول مضيق هرمز ومنشآت الطاقة.
وفي المقابل، فإن استمرار الوساطة العُمانية والقطرية يشير إلى أن أبواب الدبلوماسية لم تغلق بالكامل.
وبين الضغوط الاقتصادية والحرب والتوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل والعلاقات المتأزمة مع دول الخليج، يواجه مجتبى خامنئي اختباراً يتجاوز مسألة غيابه عن الظهور العلني.
فالاختبار الأكبر يتمثل في قدرة القيادة الإيرانية الجديدة على إدارة توازن شديد التعقيد بين استعادة الردع العسكري، والحفاظ على استقرار الداخل، وإدارة العلاقة مع دول الخليج، والوصول إلى صيغة للتعامل مع واشنطن قد تمنع استمرار حرب طويلة ومكلفة.
