
في إنجاز فني عالمي جديد، حصدت الفنانة والنحاتة اليونانية داناي ستراتو جائزة “جي آند إيه ماميداكيس” للفنون لعام 2025، عن عملها الفني المميز بعنوان “اللولب الفاضل”، والذي نفّذته على أرض جزيرة كريت اليونانية. وتُعدّ هذه الجائزة واحدة من أبرز الجوائز المعاصرة التي تكرّم الأعمال الفنية الأرضية الضخمة المخصصة لمواقع بعينها، حيث تهدف إلى دعم الفن المرتبط بالطبيعة والمكان والهوية الثقافية.
عمل فني مستوحى من أحد أكثر الألغاز الأثرية غموضًا
استلهمت داناي ستراتو عملها الفائز من قرص فايستوس الغامض، وهو قطعة أثرية نادرة اكتُشفت عام 1908 في جزيرة كريت، مصنوعة من الطين وتحمل رموزًا غير مفهومة مرتّبة بشكل حلزوني، لم تنجح المحاولات في فك شيفرتها حتى اليوم. هذه الرموز الغامضة ألهمت الفنانة لتصميم تركيب أرضي حلزوني الشكل يتجاوز مجرد الجمال البصري، ليحمل في طياته رسالة إنسانية وروحية عميقة.
“اللولب الفاضل”: من الفخار إلى الفكرة
يتألف العمل الفني من أكثر من 100 إناء خزفي يدوي الصنع، مرتّبة على الأرض بشكل حلزوني، تم تنفيذها بالتعاون مع حرفيين مهرة من بلدة ثرابسانو في كريت، وهي منطقة تُعرف بتاريخها العريق في فن الخزف وصناعة الفخار. وتمثل هذه الأواني تجسيدًا رمزيًا لمسار الإنسانية عبر الزمن، بدءًا من استخدامها لتخزين المواد الغذائية، مرورًا بالممارسات الجنائزية، وانتهاءً بالتأمل في الذاكرة والهوية.
وتُظهر هذه القطع الخزفية، التي تحاكي الرموز الحلزونية القديمة، طبقات من التاريخ البشري وتُجسّد تعدّد التجارب الإنسانية والروابط العاطفية مع الأرض، والطبيعة، والزمان.
تجربة حسية ومكانية فريدة
لا يقتصر عمل ستراتو على الجوانب البصرية فقط، بل يدعو الجمهور إلى رحلة داخل متاهة مكانية وفكرية، حيث تتلاقى فيها مفاهيم الذاكرة، والهجرة، والنمو الفردي والجماعي، ضمن بيئة تفاعلية تحفّز التأمل الذاتي. وقد وصفت المؤسسة العمل بأنه “تجربة حسية غامرة تتناغم مع طبقات وتقلبات الوعي البشري”.
استمرار لتجربة فنية طويلة الأمد
“اللولب الفاضل” ليس مشروعًا مفصولًا عن مسيرة داناي ستراتو، بل يُعدّ امتدادًا لتجاربها السابقة التي تمزج بين الفن المعاصر، والمكان، والوعي الجماعي. ففي عام 2017، قدّمت عملًا فنيًا بعنوان “على الأرض، تحت السحاب”، والذي عُرض في معصرة زيتون تاريخية في إليفسينا، اليونان.
أما أبرز إنجازاتها السابقة في الفن الأرضي فكان في عام 1997، حين نفّذت بالتعاون مع فريق D.A.ST. (داناي ستراتو، ألكسندرا ستراتو، ستيلا كونستانتينيديس) عملاً فنيًا هائلًا غطّى مساحة 100 ألف متر مربع من الصحراء الشرقية قرب البحر الأحمر في مصر، ليكون من أبرز التركيبات الفنية الأرضية في المنطقة.
أسلوب فني فريد يجمع الوسائط والتقنيات
تتميّز أعمال داناي ستراتو بتركيزها على التركيبات الكبيرة والمفاهيم متعددة الوسائط، حيث تستخدم أدوات متنوعة مثل التكنولوجيا الرقمية، والصوتيات، والفيديو، والتصوير الفوتوغرافي، والمواد الطبيعية والمعدنية. وتستند إلى لغة بصرية هندسية بسيطة لكنها عميقة المعنى، ما يجعل أعمالها قادرة على لمس قضايا إنسانية حساسة مثل الهجرة، والتمدن، والبيئة، والنزاعات الاجتماعية والسياسية.
عن جائزة “جي آند إيه ماميداكيس” للفنون
تُعتبر جائزة “G. & A. Mamidakis” منصة دولية لدعم الفن الأرضي المُصمم لمواقع معينة، وهي موجّهة للفنانين اليونانيين والدوليين على حد سواء. وتُمنح الجائزة سنويًا لأفضل مشروع فني يجمع بين الإبداع والارتباط العميق بالطبيعة والهوية الثقافية. وقد شارك في نسخة هذا العام أكثر من 600 فنان من 67 دولة، وتبلغ قيمة الجائزة 30 ألف يورو، مع تغطية كاملة لتكاليف التنفيذ والنقل والتركيب.
وفي تعليقها على اختيار العمل الفائز، قالت المؤسسة:
“برز اقتراح داناي ستراتو من بين مئات الأعمال بسبب أصالته، وخصوصيته للموقع، وتفاعله العميق مع قضايا جوهرية مثل الذاكرة، والانتماء، والهوية الثقافية، والارتباط الإنساني بالأرض، ومرور الزمن“.
خلاصة
من خلال “اللولب الفاضل”، أثبتت داناي ستراتو مجددًا قدرتها على تحويل الأرض إلى لوحة فنية حية تتكلّم بلغة الإنسان، وتروي قصة البشرية عبر أشكال بسيطة محمّلة بالمعاني. هذه الجائزة لا تكرّم فقط مشروعًا فنيًا متميّزًا، بل تكرّم مسيرة فنانة جعلت من الأرض رفيقة لها في التعبير، والبحث، والاستكشاف.

تعليق واحد
موفق