
افتتح مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي في دورته الـ27، بعرض الفيلم الصيني الضخم “She’s Got No Name” (ليس لديها اسم)، من إخراج المخرج الكبير بيتر شان. وقد عُرض الفيلم لأول مرة في 16 يونيو، ضمن افتتاحية المهرجان، قبل أن يبدأ عرضه التجاري في صالات السينما الصينية يوم 20 يونيو.
حقق الفيلم خلال نهاية الأسبوع الأول من عرضه أكثر من 24 مليون دولار أمريكي، ليتصدر الإيرادات بفارق كبير عن أفلام هوليوود المنافسة مثل How to Train Your Dragon وMission Impossible. ومن المتوقع أن يتخطى إيراداتها مجتمعة خلال الأسابيع القادمة.
فيلم باهظ الإنتاج.. وصرخة ضد التمييز
“She’s Got No Name” هو أحد أبرز الأعمال السينمائية التي تعكس توجه الصين الحديث نحو إنتاج أفلام ضخمة ذات طابع ملحمي، قادرة على منافسة هوليوود من حيث الجودة والإبهار البصري والتقنيات الحديثة.
يُصنَّف الفيلم ضمن نوع دراما الحقبة التاريخية، وهو يستند إلى قصة حقيقية لم تُحل لجريمة قتل غامضة حدثت في شنغهاي عام 1945، في خضم أحداث سياسية واجتماعية متشنجة تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية.
النجوم، القصة، والأجواء التاريخية
الفيلم يجمع نخبة من نجوم السينما الصينية، وعلى رأسهم النجمة العالمية زانج زيي، المعروفة بأدوارها في أعمال دولية مثل Crouching Tiger, Hidden Dragon وThe House of the Flying Daggers، إلى جانب مشاركات هوليوودية مثل Rush Hour.
تدور أحداث الفيلم في بيئة تاريخية دقيقة، حيث استخدمت طاقم العمل منطقة تاريخية في شنغهاي لإعادة إحياء أجواء الأربعينيات بدقة مذهلة، من العمارة إلى الملابس والسيارات وحتى الشوارع.
إبهار بصري وسردي: بين الفيلم نوار والرسم الكلاسيكي
من الناحية البصرية، يعتمد الفيلم على تقنيات عالية الجودة، ويُعرض على ما يزيد عن 690 شاشة IMAX في الصين، مما ساعد في تحقيقه إيرادات كبيرة حتى في أيامه الأولى.
أسلوب التصوير يدمج بين عدة تأثيرات فنية:
- اللعب بالضوء والظل المستوحاة من أسلوب الفيلم نوار.
- اللوحات الكلاسيكية للفنان الهولندي فيرمير.
- الفن الصيني التقليدي باستخدام الحبر الصيني.
كما يتميز الفيلم بلغة تمثيلية ميلودرامية مبالغ فيها، تشبه إلى حد ما أسلوب الأفلام الهندية الضخمة مثل RRR، وهي طريقة متداولة في الدراما الآسيوية الملحمية.
رحلة بيتر شان: من الأكشن إلى الدراما التاريخية
بيتر شان، أو بيتر هو-سان شان، هو أحد أبرز أسماء السينما الصينية الحديثة، خاصة في هونغ كونغ، حيث بدأ مشواره منذ تسعينيات القرن الماضي.
عرف بتنوعه في تقديم أنواع مختلفة من السينما، من الأكشن إلى الرومانسية والدراما الاجتماعية والتاريخية، ومن أبرز أعماله:
- Comrades: Almost a Love Story (1997)
- Dragon (2012) بطولة دوني ين
- Perhaps Love (2005)
- Warlords (2007)
- American Dreams in China (2013)
ويمثل “ليس لديها اسم” عودة مميزة لشان إلى النوع التاريخي، لكن بأسلوب جديد ومختلف، حيث يركز على الجانب الاجتماعي والجنائي ضمن إطار سياسي وأخلاقي.
قصة الجريمة.. والقضية التي هزت المجتمع
في عام 1945، وفي إحدى أزقة شنغهاي، تقع جريمة قتل مروعة: زوجة شابة تُتهم بقتل زوجها وتمزيق جثته وإلقاء رأسه في النهر.
المرأة، زان زو (زانج زيي)، تعترف بالجريمة أمام الشرطة، لكن الأمور لا تبدو واضحة كما يبدو للوهلة الأولى. يبدأ المحقق الرئيسي، تسو زيوو (لي جياين)، في التحقيق، لكن تعقيدات القضية تتزايد كلما اكتشف المزيد من الحقائق.
صراع قضائي واجتماعي حول المرأة
القضية تتحول إلى قضية رأي عام، حيث تنقسم الآراء بين المحافظين الذين يعتبرون الجريمة دليلاً على انهيار الأخلاق، وبين الليبراليين الذين يرون في زان زو ضحية العنف الأسري والقمع الذكوري.
ويستعرض الفيلم هذه القضية عبر شخصية ممثلة مسرحية شهيرة، تدافع عن الزوجة في محاكمات علنية، مستوحية خطابها من مسرحية “بيت الدمية” لهنريك إبسن، والتي تعد من المؤلفات الرائدة في موضوع تحرر المرأة.
الدين، القانون، والخرافة
على الجانب القانوني، تظهر ثغرات في القضية بسبب فقدان رأس القتيل، مما يجعل من الصعب إثبات هويته في زمن لم تكن فيه تقنيات الـDNA متاحة.
أما من الناحية الدينية، فإن فقدان الرأس يحمل بعداً رمزياً عميقاً في الثقافة الصينية، حيث يعتقد أن الشخص لا يمكن أن يُبعث في الحياة الأخرى إن لم يكن جسمه كاملاً.
وهناك شخصية غامضة في الفيلم، هي الشاب الأعمى الذي يؤدي دوره الممثل إريك وانج، ويمثل بمثابة نبي أعمى من الأساطير الصينية، يحذر من العواقب الروحية لظلم المرأة.
تعديل الفيلم بعد عرضه في كان
قبل عرضه في شنغهاي، عُرض الفيلم خارج المسابقة في مهرجان كان، ولكن النسخة آنذاك كانت طويلة جداً (أكثر من ساعتين ونصف)، ولم تلقَ قبولاً نقدياً جيداً.
نتيجة لذلك، قام صناع الفيلم بإعادة مونتاجه وإضافة بعض المشاهد الجديدة، وقرروا تقسيمه إلى جزئين. النسخة المعروضة حالياً في صالات السينما هي الجزء الأول فقط.
وهو أمر ليس غريباً في عالم السينما، حيث يلجأ العديد من المخرجين إلى تعديل أفلامهم بناءً على آراء الجمهور والنقد، وهو مؤشر على الثقة بالنفس والرغبة في تقديم أفضل ما يمكن.
السينما الشعبية.. والفخامة الصينية
رغم كل الفخامة التقنية والفنية، يبقى “ليس لديها اسم” عملاً شعبياً بامتياز، يعكس هوية السينما الصينية، ويقدم قصة تحمل طابعاً اجتماعياً وسياسياً عميقاً، مغلفة بعناصر التشويق والدراما والخيال.

تعليق واحد
موفق