
في تصريحات نقلتها صحيفة “فايننشال تايمز”، أعلن محافظ مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، عن خطط للانتقال إلى نظام التعويم المدار لليرة السورية، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم سوق الصرف الأجنبي، وتقويض دور السوق السوداء، وتعزيز استقرار العملة المحلية. كما كشف حصرية أن العودة إلى شبكة “سويفت” الدولية للمدفوعات ستتم خلال أسابيع، وهو ما قد يعيد ربط الاقتصاد السوري بالأسواق العالمية بعد أكثر من 14 عامًا من الحرب والعقوبات.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يمكن لسوريا، التي تعاني من انهيار اقتصادي مستمر منذ أكثر من عقد، النجاح في تطبيق هذا النظام النقدي المعقد؟
ما هو نظام التعويم المدار؟
نظام التعويم المدار (Managed Float System) هو نظام وسط بين سعر الصرف الثابت وسعر الصرف الحر. في هذا النظام، يتم ترك سعر الصرف يتحدد بقوى العرض والطلب في السوق، لكن مع تدخل البنك المركزي عند حدوث تقلبات حادة أو غير متوقعة تهدد الاستقرار الاقتصادي.
الفرق بين أنظمة سعر الصرف:
- النظام الثابت: حيث يتم ربط العملة بعملة أجنبية مثل الدولار أو سلة عملات، مع التزام الدولة بالحفاظ على سعر ثابت.
- النظام المرن: يتم تحديد السعر فقط من خلال السوق دون أي تدخل.
- التعويم المدار: يسمح للتغيرات بالحدوث ضمن نطاق معين، مع تدخل مركزي عند الضرورة.
هذا النوع من الأنظمة يُستخدم بكثرة في العديد من الاقتصادات الناشئة مثل الصين، الهند، سنغافورة، وماليزيا، بهدف تحقيق استقرار نسبي في العملة، مع الحفاظ على بعض درجة المرونة.
أهداف سوريا من تطبيق التعويم المدار
أكد حصرية أن الهدف الأساسي من هذا التحول هو:
- إعادة السيطرة على سوق الصرف من خلال إلغاء دور الصرافين غير الرسميين الذين كانوا يتقاضون رسومًا عالية على كل عملية تبديل.
- توحيد سعر الصرف عبر إدخال جميع العمليات التجارية ضمن القنوات الرسمية.
- تعزيز شفافية الاقتصاد، ودعم جهود مكافحة غسل الأموال.
- استقطاب العملات الأجنبية اللازمة لتغطية فاتورة الواردات الكبيرة ودعم الاحتياطي النقدي المتآكل.
التجارب السابقة: هل سبق لسوريا تطبيق هذا النظام؟
في مقابلة مع موقع الجزيرة نت، أشار الخبير الاقتصادي يونس الكريم إلى أن سوريا لم تكن غريبة عن هذا النظام، فقد طبقته في عام 2007 تحت إطار سياسة “اقتصاد السوق الاجتماعي”. واستمرت تجربة التعويم المدار خلال السنوات الأولى من الحرب، لكنها أدت إلى استنزاف كبير في الاحتياطيات النقدية.
ويرى الكريم أن العودة إلى التعويم المدار اليوم تمثل اعترافًا ضمنيًا بفشل المحاولات السابقة لتثبيت الليرة على أساس سلة عملات، وأن الدولرة الجزئية كانت دائمًا خيارًا أكثر واقعية.
ما الإيجابيات المتوقعة لهذا النظام في سوريا؟
رغم تعقيد الوضع الاقتصادي، هناك عدد من الفوائد المحتملة لإدخال التعويم المدار:
- استقرار نسبي في سعر الصرف: من شأنه أن يقلل من تقلبات أسعار السلع المستوردة، مما يخفف الضغط على المواطنين.
- تقليص دور السوق السوداء: من خلال تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وغير الرسمي.
- مكافحة التضخم: عبر ضبط التقلبات الشديدة في قيمة العملة.
- جذب الاستثمار الأجنبي: بتوفير بيئة أكثر استقرارًا وتنبؤًا للمستثمرين.
- تعزيز التجارة الخارجية: خاصة مع العودة المرتقبة إلى نظام سويفت، مما يسهل عمليات الاستيراد والتصدير.
ما الخطوات اللازمة لتحقيق نجاح التعويم المدار؟
بحسب الخبير الدكتور عباس رشيد، فإن نجاح هذا النظام يتطلب إجراءات تحضيرية استراتيجية، منها:
- إطلاق منصة رسمية لبيع وشراء الدولار بأسعار قريبة من السوق الموازية، مع ضوابط تمنع المضاربة.
- توفير سيولة داخلية كافية بالليرة السورية لتمويل الاقتصاد داخليًا.
- دمج البنوك وشركات الصرافة المرخصة في منظومة واحدة شفافة لإدارة الطلب على العملات.
- تعزيز الرقابة على السوق لمنع التداول غير المشروع.
- بناء ثقة الجمهور من خلال الشفافية في الإعلان عن القرارات والسياسات النقدية.
- تهيئة بيئة إنتاجية داعمة لتحسين ميزان المدفوعات وخفض الاعتماد على الاستيراد.
ما التحديات الكبرى أمام تطبيق التعويم المدار في سوريا؟
رغم الجوانب الإيجابية، هناك مجموعة من التحديات الكبيرة التي قد تهدد نجاح هذه التجربة:
- نقص الاحتياطيات الأجنبية: لا يمتلك المصرف المركزي ما يكفي من الدولارات لتدخل فعّال في السوق.
- ضعف البنية المصرفية: تحتاج المصارف السورية إلى تحديث شامل في البنية التحتية التقنية والإدارية.
- غياب السيطرة الكاملة على الأرض: بسبب توزع السلطات على مناطق مختلفة، تبقى بعض المناطق خارج سيطرة الحكومة المركزية.
- التضخم المفرط وعدم اليقين الاقتصادي: البيئة الحالية غير مستقرة بما يكفي لتحمل تقلبات سعر الصرف.
- الانقسام السياسي والاقتصادي: غياب السياسة الموحدة يجعل من الصعب تنفيذ سياسات نقدية متسقة.
- ضعف الخبرات المؤسسية: تحتاج الإدارة النقدية إلى كوادر مؤهلة وسياسية واضحة بعيدة عن المحاصصة.
الخلاصة: هل الوقت مناسب لتطبيق التعويم المدار في سوريا؟
رغم أن نظام التعويم المدار يمثل خيارًا نظريًّا مربحًا للاستقرار النقدي، إلا أن نجاحه في الواقع السوري يعتمد على توفر شروط أساسية غير متوفرة حاليًا، مثل الاستقرار السياسي، وجود احتياطي نقدي كافٍ، وبنية مصرفية قوية.
بدون خطوات إصلاحية شاملة، فإن تطبيق التعويم المدار قد يكون مغامرة اقتصادية تحمل مخاطر أكبر من المنافع في المرحلة الحالية. ومن ثم، فإن الخيار الأمثل يبدو في التركيز على إصلاحات هيكلية عميقة تسبق أي تغيير في النظام النقدي، مثل دعم الإنتاج المحلي، ترشيد الإنفاق الحكومي، وتفعيل آليات الرقابة المالية.

تعليق واحد
رائع