
في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، تحلّ الذكرى المئوية لميلاد مارجريت تاتشر، أول امرأة تتولى رئاسة وزراء بريطانيا، والسياسية التي تركت بصمة لا تُمحى في التاريخ الحديث للمملكة المتحدة.
عرفها البريطانيون والعالم باسم “المرأة الحديدية”، لما تميزت به من صلابة إرادة وشجاعة سياسية غير مسبوقة، أعادت من خلالها تشكيل الاقتصاد والسياسة والمجتمع البريطاني خلال فترة حكمها الممتدة من عام 1979 إلى 1990.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على مغادرتها الحكم، ما زال إرثها السياسي والفكري موضوعًا للبحث والنقاش بين مؤيد يرى فيها رمزًا للقيادة الحازمة، ومنتقد يعتبر سياساتها سببًا في تعميق الفوارق الطبقية.
النشأة والبدايات: من الكيمياء إلى السياسة
وُلدت مارجريت هيلدا تاتشر في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1925 في بلدة غرانثام بمقاطعة لينكولنشير، لأسرة متوسطة الحال. كان والدها ألفريد روبرتس بقالًا وعضوًا في المجلس المحلي، وقد ترك أثرًا بالغًا في شخصيتها، فغرس فيها قيم العمل والاعتماد على الذات والمسؤولية الفردية.
درست تاتشر الكيمياء في جامعة أكسفورد، حيث برزت مبكرًا في النشاط الطلابي، حتى أصبحت أول امرأة ترأس رابطة حزب المحافظين في الجامعة. وبعد تخرجها عام 1947 عملت باحثة في الكيمياء، ثم درست القانون لتصبح محامية متخصصة في القانون الضريبي.
دخلت عالم السياسة من أوسع أبوابه عام 1959 بعد فوزها بمقعد في مجلس العموم عن حزب المحافظين، لتبدأ مسيرة سياسية حافلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.
صعودها في حزب المحافظين
شغلت تاتشر عدة مناصب داخل الحزب، منها سكرتيرة برلمانية لوزارة المعاشات، ثم وزيرة التعليم والعلوم في حكومة إدوارد هيث. خلال تلك الفترة اكتسبت شهرة واسعة بعد قرارها المثير للجدل بإلغاء برنامج الحليب المجاني في المدارس، ما جعل الصحافة تطلق عليها لقب “سارقة الحليب”.
وبعد هزيمة حزب المحافظين مرتين في انتخابات 1974، خاضت تاتشر تحديًا جريئًا لزعيم الحزب هيث، لتُنتخب في فبراير/شباط 1975 زعيمة لحزب المحافظين، وتصبح أول امرأة تقود حزبًا سياسيًا كبيرًا في بريطانيا.
تاتشر في رئاسة الحكومة: ثورة اقتصادية وسياسية
قادَت مارجريت تاتشر حزبها إلى فوز كاسح في انتخابات 1979، في وقت كانت فيه بريطانيا تمرّ بأزمة اقتصادية خانقة.
تبنّت تاتشر سياسة قائمة على تحرير السوق، وتقليص تدخل الدولة، وخصخصة الشركات العامة، وفرض قيود صارمة على النقابات العمالية، بهدف تعزيز مبدأ “الاعتماد على الذات”.
هذه السياسات – التي عُرفت لاحقًا باسم “التاتشرية” – أحدثت تحولًا جذريًا في الاقتصاد البريطاني، لكنها أثارت جدلًا واسعًا بسبب ارتفاع البطالة واتساع الفجوة بين الطبقات.
حرب جزر فوكلاند: اختبار القيادة الحديدية
في عام 1982 واجهت تاتشر أحد أكبر تحدياتها عندما غزت الأرجنتين جزر فوكلاند الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي.
قررت تاتشر الرد العسكري الحاسم، وأرسلت قوات بريطانية لاستعادة الجزر.
انتهت الحرب بانتصار بريطانيا، ما عزز شعبيتها بشكل كبير وكرّس صورتها كزعيمة قوية لا تتراجع أمام التحديات.
مواجهة النقابات وتثبيت السلطة
واصلت تاتشر خلال ولايتها الثانية (1983–1987) سياساتها الصارمة ضد النقابات، وواجهت إضراب عمال المناجم عام 1984 الذي استمر قرابة عام كامل. رفضت تقديم أي تنازلات، لتنتهي المواجهة بانتصار الحكومة وإضعاف الحركة العمالية لعقود تالية.
كما نجا مؤتمر حزب المحافظين في برايتون عام 1984 من تفجير إرهابي نفذه الجيش الجمهوري الإيرلندي، ما زاد من مكانتها كرمز للصمود والإصرار.
العلاقة مع رونالد ريغان والحرب الباردة
ارتبط اسم تاتشر بشراكة سياسية قوية مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، وشكّلا معًا ما يُعرف بمحور المحافظين في الثمانينيات.
دعمت تاتشر سياسة التصدي للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، وشاركت في بناء تحالف غربي موحد ضد الشيوعية.
وقد منحتها الصحافة السوفيتية لقب “السيدة الحديدية” عام 1976 بسبب مواقفها الحازمة.
الانقسام الأوروبي وسقوطها السياسي
رغم انتصاراتها، واجهت تاتشر خلافات حادة داخل حزبها بسبب موقفها المتشدد من الاتحاد الأوروبي.
عارضت فكرة العملة الموحدة، وانتقدت ما اعتبرته “الفيدرالية الأوروبية”، مما أدى إلى استقالات في حكومتها وانقسام الحزب.
وجاءت الضربة الأخيرة من ضريبة الرأس (Poll Tax) التي أثارت احتجاجات واسعة، لتستقيل في نوفمبر/تشرين الثاني 1990 بعد 11 عامًا في الحكم، تاركة وراءها إرثًا سياسياً لا يُنسى.
سنواتها الأخيرة والوفاة
بعد تقاعدها من الحياة السياسية، حصلت تاتشر على لقب بارونة كيستيفن وانضمت إلى مجلس اللوردات.
واصلت إلقاء المحاضرات حول الديمقراطية واقتصاد السوق، وأسست “مؤسسة تاتشر” لدعم الحرية الفردية.
وفي عام 2013 توفيت في لندن إثر سكتة دماغية عن عمر ناهز 87 عامًا، وأُقيمت لها جنازة رسمية بمراسم عسكرية مهيبة.
إرث مارجريت تاتشر: بين الإعجاب والجدل
يصفها المؤرخون بأنها أعادت تعريف دور الدولة في الاقتصاد البريطاني، ورسّخت نموذجًا جديدًا للقيادة السياسية يعتمد على الحزم والانضباط.
وبينما يرى فيها أنصارها رمزًا للنهضة الاقتصادية والتحرر من البيروقراطية، يعتبرها خصومها مسؤولة عن تفكيك الروابط الاجتماعية وزيادة التفاوت الطبقي.
ومهما اختلفت الآراء حولها، تبقى مارجريت تاتشر إحدى أبرز الشخصيات في القرن العشرين، وزعيمة تركت بصمتها العميقة في التاريخ البريطاني والعالمي.
