
خمسون عاماً مرّت على رحيل كوكب الشرق أم كلثوم، ومع ذلك لا يزال صوتها يملأ الأفق، وأغانيها تتردّد في وجدان المصريين والعرب، بل وتجاوزت حدود العالم لتصبح رمزاً خالداً في تاريخ الموسيقى. لم يكن رحيلها نهاية لمسيرتها، بل بداية لتحوّلها إلى أيقونة ثقافية يتوارثها الأجيال.
وبهذه المناسبة، احتضنت القاهرة معرضاً استثنائياً تحت عنوان “صوت مصر”، الذي جمع بين الفن التشكيلي والموسيقى والذاكرة الغنائية، ليعيد رسم صورة أم كلثوم بأسلوب بصري جديد، يجمع الماضي بالحاضر، والفن بالموسيقى.
معرض “صوت مصر”: لقاء بين الفنون والذاكرة
شهد قصر عائشة فهمي بالزمالك افتتاح معرض “صوت مصر”، الذي يستمر حتى 15 نوفمبر، وسط أجواء مبهرة تصدح فيها أغاني أم كلثوم لتستقبل الزائر منذ اللحظة الأولى. المعرض لا يكتفي بعرض مقتنيات نادرة لكوكب الشرق من ملابس ونظارات مرصعة بالألماس ورسائل شخصية، بل يقدّم رؤية بصرية عميقة تعكس تأثيرها على الفنون التشكيلية المصرية والعربية.
ويشارك في المعرض 29 فناناً من أجيال مختلفة قدّموا أعمالاً في مجالات التصوير والنحت والكاريكاتير، جميعها تجسّد قوة حضور أم كلثوم، وتكشف عن أبعاد جديدة لشخصيتها الفنية والثقافية.
كلمات رسمية تؤكد قيمة أم كلثوم
قال الدكتور أحمد فؤاد هنّو، وزير الثقافة المصري، خلال الافتتاح:
“المعرض يجسّد عبقرية كوكب الشرق كرمز استثنائي للهوية المصرية، ويقدّم صورة متكاملة عنها كقيمة خالدة في الضمير الوطني والعربي”.
أما الدكتور وليد قانوش، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، فأكد أن معرض “صوت مصر” يختلف عن متحف أم كلثوم في النيل، إذ يعتمد على الرؤية التشكيلية للفنانين، وليس مجرد سيناريو عرض تقليدي.
أم كلثوم في عيون الفنانين
المعرض ضمّ تماثيل ولوحات حملت تفسيرات مختلفة لشخصية وصوت أم كلثوم:
- تمثال طارق الكومي: يظهر فيه أم كلثوم بمنديلها الشهير في لحظة غنائية خالدة.
- لوحة جمال السجيني: تجسيد تكعيبي لروحها الفنية.
- رسوم حسين بيكار الكاريكاتيرية: التي واكبت مذكراتها ومسيرتها الغنائية.
- لوحة “الهرم الرابع” للدكتور أحمد عبد الكريم: اعتبر أم كلثوم بمثابة الهرم الرابع في تاريخ مصر الفني، رمزاً خالداً يعلو فوق الجميع.
- لوحة طاهر عبد العظيم: قدّم سيمفونية تشكيلية تُظهر أم كلثوم وسط فرقتها الموسيقية، كرمز للحالة المتكاملة من الشعر واللحن والجمهور.
التوثيق الصحفي والكتب النادرة
خصص المعرض جناحاً يوثّق مسيرة أم كلثوم عبر الصحافة المصرية والعربية على مدار قرن كامل، حيث عُرضت نسخ أصلية من صحف ومجلات أرّخت لمشوارها الفني والإنساني.
كما شمل قسماً خاصاً بالكتب التي تناولت حياتها، بلغ عددها نحو 40 كتاباً، بعضها كلاسيكي يروي سيرتها، وبعضها الآخر مثير للجدل مثل كتاب “الهوى دون أهله” لحازم صاغية، وكتاب “بوب آرت أم كلثوم” لمحمد الحجيري، إضافة إلى دراسات عالمية مثل كتاب “صوت مصر” للباحثة الأميركية فرجينيا دانيلسون، الذي استُمد منه اسم المعرض.
أم كلثوم: أيقونة وطنية وعربية
لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة، بل تحوّلت إلى رمز وطني ارتبط بتاريخ مصر السياسي والثقافي. فقد دعمت المجهود الحربي بعد نكسة 1967 عبر حفلاتها، وتلقّت رسائل تقدير من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
لقد أصبحت أم كلثوم صوتاً يومياً في حياة المصريين، و”ثروة قومية متجددة”، على حد وصف الناقد سيد محمود.
خاتمة: الإرث الخالد
يبرهن معرض “صوت مصر” أن أم كلثوم ليست مجرد اسم في تاريخ الغناء، بل حالة ثقافية وفنية متكاملة. فهي رمز للهوية المصرية والعربية، وصوت لا يزال يصدح بالحب والوطنية بعد نصف قرن من رحيلها.
إنها “الهرم الرابع” بحق، وصوت خالد لا يشيخ مهما مرّ الزمن.

تعليق واحد
موفق