
في إنجاز علمي يُعد من الأهم عالميًا في مجال علم الإنسان القديم، أعلن باحثون مغاربة وفرنسيون عن اكتشاف بقايا بشرية نادرة تعود إلى نحو 773 ألف سنة داخل مغارة أثرية بمنطقة مقلع طوما 1 قرب مدينة الدار البيضاء. هذا الاكتشاف الاستثنائي، الذي نُشرت تفاصيله في مجلة Nature العلمية المرموقة، يفتح آفاقًا جديدة لفهم تطور الإنسان ويعزز بقوة فرضية الجذور الإفريقية العميقة للبشرية.
تفاصيل الاكتشاف الأثري في مقلع طوما 1
أوضحت وزارة الشباب والتواصل والثقافة المغربية أن الاكتشاف تم في إطار برنامج بحثي مشترك مغربي–فرنسي بعنوان «ما قبل التاريخ بالدار البيضاء». وقد أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على:
- فكين سفليين لشخصين بالغين
- فك لطفل صغير
- بقايا أسنان متعددة
- أجزاء من الهيكل العظمي، من بينها عظم فخذ وفقرات
وتشير التحاليل الأولية إلى أن هذه البقايا تعود إلى أشباه بشر عاشوا في شمال إفريقيا خلال مرحلة مفصلية من تطور الإنسان.
مزيج فريد من الخصائص البدائية والحديثة
أظهرت الدراسة أن العظام والأسنان المكتشفة تحمل مزيجًا نادرًا من خصائص الإنسان المنتصب القامة (Homo erectus) وسمات تشريحية أكثر حداثة، ما يجعل هذا الاكتشاف حلقة انتقالية مهمة في السجل الأحفوري.
ويرى الباحثون أن هذه الحفريات تمثل شكلًا متطورًا من سلالة هومو إريكتوس، التي ظهرت قبل نحو 1.9 مليون سنة في إفريقيا، قبل أن تنتشر لاحقًا في أوروبا وآسيا.
دقة التأريخ وأهمية الموقع علميًا
اعتمد العلماء على التحليل المغناطيسي الطبقي لتحديد العمر الزمني بدقة عالية، وهو ما يجعل موقع مقلع طوما 1 من أكثر المواقع الإفريقية موثوقية من حيث التأريخ الزمني.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في كونه:
- يسد فجوة كبيرة في السجل الأحفوري الإفريقي
- يغطي فترة زمنية تمتد بين مليون سنة و600 ألف سنة
- يعزز دور شمال إفريقيا في المراحل الحاسمة من تطور الإنسان
كهف أشباه البشر: دلائل بيئية وسلوكية
تشير الأدلة الأثرية إلى أن الكهف، المعروف علميًا باسم «كهف أشباه البشر»، كان في الأصل مأوى للحيوانات المفترسة. فقد عُثر على علامات عضّ واضحة على عظم الفخذ، يُرجّح أنها تعود إلى الضباع، ما يدل على أن الجثث ربما تعرضت للافتراس أو التغذي بعد الوفاة.
هذه المعطيات تقدم فهمًا أعمق للبيئة الطبيعية والتحديات التي واجهها أشباه البشر في تلك الحقبة السحيقة.
علاقة الاكتشاف بظهور سلالة هومو سابينز
يرى العلماء أن هذه البقايا البشرية تعود إلى مجموعة سكانية إفريقية كانت موجودة قبل الانقسام التطوري الكبير الذي أدى لاحقًا إلى ظهور:
- الإنسان العاقل (Homo sapiens) في إفريقيا
- إنسان نياندرتال في أوروبا
- إنسان دينيسوفا في آسيا
وقال عالم الإنسان القديم جان جاك أوبلان، المعدّ الرئيسي للدراسة:
“نحن حذرون في اعتبار هذه الحفريات السلف المشترك الأخير، لكنها قريبة جدًا من السلالات التي انبثقت عنها لاحقًا جميع هذه الفروع البشرية.”
المغرب في قلب أبحاث تطور الإنسان
لا يُعد هذا الاكتشاف الأول من نوعه في المغرب، إذ سبق أن عُثر في موقع جبل إيجود على أقدم حفريات معروفة للإنسان العاقل، يعود تاريخها إلى نحو 315 ألف سنة. ويؤكد ذلك أن المغرب أصبح أحد المحاور العالمية الأساسية لدراسة أصول الإنسان وتطوره.
الخلاصة
يمثل اكتشاف بقايا بشرية عمرها 773 ألف سنة في الدار البيضاء خطوة علمية كبرى تعيد رسم خريطة تطور الإنسان، وتؤكد أن إفريقيا، وشمالها تحديدًا، لعبت دورًا محوريًا في نشأة البشر. كما يعزز هذا الإنجاز مكانة البحث العلمي المغربي على الساحة الدولية، ويفتح الباب أمام اكتشافات أعمق قد تغيّر فهمنا لتاريخ البشرية.
