
في حدث فني استثنائي يسلّط الضوء على كنوز عصر النهضة، تعرض دار «كريستيز» في دبي رسماً تحضيرياً نادراً يُنسب إلى الفنان الإيطالي مايكل أنجلو، يُصوّر القدم اليمنى لشخصية «العرّافة الليبية» الشهيرة، إحدى الشخصيات التي زيّنت سقف كنيسة سيستين في الفاتيكان بروما.
الرسم، المنفّذ بالطبشور الأحمر، يُعد من أندر الدراسات التحضيرية الباقية للفنان، وسيظل معروضاً للجمهور حتى منتصف يناير، قبل أن يُطرح للبيع في مزاد عالمي متوقَّع في فبراير 2026، مع تقديرات سعرية تصل إلى نحو مليوني دولار.
دراسة تحضيرية من قلب عصر النهضة
يعود تاريخ هذا الرسم إلى عام 1511، في ذروة انشغال مايكل أنجلو بمشروعه الأعظم: تزيين سقف كنيسة سيستين. ويُظهر العمل جزءاً دقيقاً من القدم اليمنى للعرّافة الليبية، وهي شخصية أنثوية أسطورية تُجسّد الحكمة والنبوءة في الموروث الكلاسيكي.
في التكوين الأصلي على السقف، تظهر العرّافة جالسة قرب مذبح الكنيسة، مرتدية ثوباً زاهياً، وقد استقرت قدمها اليسرى على صندوق، بينما تضغط قدمها اليمنى بقوة على الأرض. هذا التفصيل التشريحي، الذي يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، يكشف في حقيقته عن هوس مايكل أنجلو بالدقة الجسدية، وقناعته بأن التعبير الإنساني يبدأ من فهم العضلات والحركة والوزن.
من مجموعة عائلية إلى واجهة العرض العالمي
الرسم مملوك حالياً لبائع مجهول من شمال ولاية كاليفورنيا، أفاد بأنه ورث العمل عن جدته عام 2002، وأنه ظل في حوزة عائلته منذ أواخر القرن الثامن عشر على أقل تقدير.
ويعود نسب العائلة، بحسب المعلومات المتاحة، إلى دبلوماسي سويسري بارز من القرن الثامن عشر، عُرف بولعه الشديد بجمع الرسومات والمطبوعات الفنية القديمة، ما يضفي على العمل بعداً تاريخياً إضافياً يعزّز مصداقيته وأهميته.
حرص المالك الحالي على عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، وهو أمر شائع في عالم اقتناء الأعمال الفنية النادرة ذات القيمة العالية.
فحوصات علمية تؤكد الأصالة
على الرغم من أن الرسم غير موقّع باسم مايكل أنجلو، فإن التحاليل المخبرية الدقيقة التي أُجريت في مكاتب «كريستيز» بنيويورك كشفت عن تطابق خصائص الورق والطبشور والأسلوب مع نماذج مؤكدة تعود إلى القرن السادس عشر.
الأكثر أهمية أن خبراء الدار نجحوا في ربط هذا الرسم بدراسة أخرى للشخصية نفسها محفوظة حالياً في متحف المتروبوليتان، ما يعزز فرضية أن هذا العمل هو جزء من سلسلة دراسات تحضيرية أنجزها الفنان أثناء عمله على سقف كنيسة سيستين.
ويذهب بعض الخبراء إلى اعتبار هذه القطعة «دراسة مفقودة منذ زمن طويل» لأحد أشهر الأسقف الفنية في تاريخ الإنسانية.
طاقة الجسد في ضربة طبشور
تصف إحدى المتخصصات في رسومات الفنانين القدامى هذا العمل بقولها إن الوقوف أمام هذه الرسمة يمنح المتلقي إحساساً مباشراً بعظمة مايكل أنجلو الإبداعية.
فالضغط القوي للطبشور الأحمر على الورق لا ينقل مجرد شكل قدم، بل ينقل طاقة جسدية مكثفة، وحركة كامنة، وإحساساً بالثقل والتوازن، وهي سمات ميّزت أسلوب الفنان في الرسم والنحت على حد سواء.
لماذا تُعد هذه الرسمة نادرة إلى هذا الحد؟
أنتج مايكل أنجلو خلال حياته آلاف الرسومات التحضيرية، غير أن الزمن لم يُبقِ منها سوى نحو 600 رسم تقريباً. ويعود السبب في ذلك إلى قرار درامي اتخذه الفنان في عام 1581، حين أمر مساعده بإتلاف جميع الرسومات الموجودة في منزله بروما، في محاولة للسيطرة على إرثه الفني وحماية صورته أمام الأجيال اللاحقة.
لهذا السبب، تُعد كل دراسة مكتشفة اليوم نافذة نادرة على عقل الفنان وطرق تفكيره، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بمشروع سقف كنيسة سيستين.
مايكل أنجلو: عبقري عصر النهضة
وُلد مايكل أنجلو عام 1475، وكان شخصية متعددة المواهب؛ رساماً ونحاتاً ومهندساً معمارياً وشاعراً. بزغ نجمه في زمن واحد مع عمالقة الفن مثل ليوناردو دافنشي ورافائيل، وأسهم في صياغة ملامح عصر النهضة الأوروبية.
اشتهر بمنحوتاته الخالدة مثل «داود» و«البييتا»، إلا أن ذروة إنجازه الفني تجسدت في اللوحات الجدارية التي تزيّن سقف كنيسة سيستين، والتي أنجزها بين عامي 1508 و1512 بعد أربع سنوات من العمل المضني.
عاش الفنان حتى بلغ الثامنة والثمانين، وتوفي في روما عام 1564، وقد نال ثروة وشهرة واسعتين في حياته، وهو أمر نادر لفناني عصره.
قيمة استثنائية في سوق الفن العالمي
نادراً ما تُكتشف أعمال جديدة تُنسب إلى مايكل أنجلو وتُضاف إلى مجموعته الفنية المعروفة. ومعظم دراساته اليوم محفوظة في متاحف ومجموعات عامة حول العالم، بينما لا يتجاوز عدد الرسومات الموجودة في مجموعات خاصة أصابع اليد الواحدة تقريباً.
لهذا، لا تُعد هذه الرسمة مجرد قطعة فنية جميلة، بل وثيقة تاريخية نادرة، وشاهدًا مباشراً على مرحلة مفصلية من تاريخ الفن الإنساني، ما يفسر التقديرات المرتفعة لسعرها والاهتمام العالمي بعرضها في دبي قبل انتقالها إلى منصة المزاد.
خلاصة
إعادة اكتشاف هذا الرسم التحضيري لقدم «العرّافة الليبية» لا يضيف عملاً جديداً إلى إرث مايكل أنجلو فحسب، بل يعيد إحياء لحظة إبداعية من قلب عصر النهضة، ويؤكد أن الفن العظيم لا يزال قادراً على إدهاشنا بعد أكثر من خمسة قرون.
