
في خطوة قد تعيد رسم خريطة المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي، طالب عضوان بارزان في مجلس الشيوخ الأمريكي من الحزب الديمقراطي بإفصاحات شاملة من شركتي مايكروسوفت وجوجل حول طبيعة شراكاتهما مع شركات ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي. ويرجّح أن هذه الخطوة تفتح باب التحقيق في مدى توافق تلك الصفقات مع قوانين مكافحة الاحتكار، ومدى تأثيرها على حرية المنافسة في هذا القطاع الحيوي.
تحرك استباقي من مجلس الشيوخ: إليزابيث وارن ورون وايدن يدقان ناقوس الخطر
أرسل السناتور إليزابيث وارن من ولاية ماساتشوستس والسناتور رون وايدن من ولاية أوريغون رسائل رسمية إلى كل من شركة جوجل ومايكروسوفت، حيث طالبا بتقديم معلومات مفصلة حول شراكات الشركتين مع بعض الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي. وركزت الطلبات بشكل خاص على:
- شراكة جوجل مع شركة Anthropic، الشركة الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
- ارتباط مايكروسوفت بشركة OpenAI، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي المعروف “ChatGPT”.
وتُعد هذه المطالبات مؤشرًا واضحًا على تصاعد القلق داخل الدوائر السياسية الأمريكية بشأن هيمنة عدد محدود من شركات التكنولوجيا على البنية التحتية الأساسية لصناعة الذكاء الاصطناعي.
مخاوف من تضييق المنافسة وخلق احتكار غير مباشر
وجّه أعضاء مجلس الشيوخ انتقادًا حادًا لما وصفوه بـ”الترتيبات الاستثنائية” بين عملاقي التكنولوجيا وشركات الذكاء الاصطناعي، مشيرين إلى أنها قد تؤدي إلى:
- إضعاف المنافسة الحرة في سوق يتسم بالتطور السريع.
- خرق قوانين مكافحة الاحتكار من خلال بناء علاقات متشابكة لا تخدم مصالح السوق.
- تقنين الخيارات أمام المستخدمين النهائيين، سواء من الشركات أو الأفراد، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض جودة الخدمات.
وفي رسالة رسمية، ذكر النواب أنهم “قلقون من أن هذه الشراكات قد تُستخدم كأداة لإحكام السيطرة على السوق تحت ستار التعاون التقني”، وهو ما يُهدد الابتكار ويُضعف فرص ظهور لاعبين جدد في الصناعة.
ماذا تطلب الحكومة الأمريكية بالتحديد؟
تسعى الرسائل التي أرسلها أعضاء مجلس الشيوخ إلى الحصول على إجابات واضحة حول عدة نقاط محورية، منها:
- ما المبلغ المالي الذي دفعته شركات الذكاء الاصطناعي لمقدمي خدمات الحوسبة السحابية مثل مايكروسوفت وجوجل؟
- هل تتضمن هذه الصفقات حقوقًا حصرية لترخيص النماذج الأولية للذكاء الاصطناعي؟
- هل هناك أي خطط مستقبلية من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى للسيطرة الكاملة على الشركات الناشئة عبر الاستحواذ عليها؟
هذه الأسئلة تشير إلى قلق حقيقي من أن تكون هذه الشراكات مجرد بوابة لاحتكار كامل للقطاع تحت غطاء الاستثمار والتطوير المشترك.
سابقة حديثة: تقرير FTC يحذر من مخاطر الاستحواذات المحتملة
وكان قد سبق هذا التحرك الرسمي تقرير صادر عن لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC) في شهر يناير الماضي، حذر من مخاطر احتمالية استحواذ مزودي الخدمات السحابية على شركائهم في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد حجبت اللجنة بعض المعلومات الخاصة المتعلقة بهذه الشراكات حفاظًا على سرية البيانات التجارية.
وقد أشار التقرير إلى أن إحدى الاتفاقيات تمنع شركة الذكاء الاصطناعي من إطلاق نماذج جديدة إلا عبر منصة مزود الخدمة السحابية، وهو ما يُعتبر تقييدًا مباشرًا لقدرتها التنافسية ومستوى استقلاليتها.
هل نشهد بداية لعصر احتكاري جديد في الذكاء الاصطناعي؟
مع تصاعد التوترات بين الجهات التنظيمية وشركات التكنولوجيا الكبرى، يبقى السؤال الملح هو: هل تتجه صناعة الذكاء الاصطناعي نحو نموذج احتكاري جديد يشبه ما حدث في بدايات الإنترنت؟ أم أن التدخل الحكومي سيتمكن من ضبط الإيقاع وضمان تنافسية السوق؟
ويبدو أن هذا السيناريو سيكون له انعكاسات كبيرة على مستقبل الابتكار، وخصوصًا في مجالات مثل التعليم، والرعاية الصحية، والخدمات الحكومية، التي بدأت تعتمد بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي.
الخلاصة
يتضح من خلال هذا التحرك التشريعي أن العالم السياسي بدأ يدرك أهمية وضع ضوابط واضحة للعلاقات بين شركات التكنولوجيا الكبرى وشركات الذكاء الاصطناعي. فالشراكات قد تكون مفيدة على المدى القصير، لكنها قد تتحول إلى أدوات للهيمنة إذا لم تُدار ضمن إطار قانوني وتنظيمي صارم.
ولا تزال المؤشرات تدل على أن عام 2025 سيكون نقطة تحول حاسمة في كيفية تنظيم الذكاء الاصطناعي عالميًا، خاصةً مع تصاعد الضغوط على الشركات الكبرى للكشف عن ممارساتها الداخلية، وضمان عدم استخدام النفوذ المالي للتلاعب بالسوق.

تعليق واحد
موفق