
قبل الاقتراب من فيلم «الست» بوصفه عملاً سينمائيًا، لا بد من التوقف طويلًا أمام السياق التاريخي والثقافي الفريد الذي صاغ شخصية أم كلثوم. فـ«الست» لم تكن يومًا مجرد مطربة ذات صوت استثنائي، بل كانت ظاهرة حضارية متكاملة، تجسيدًا نادرًا لتلاقي الفن مع السياسة، والثقافة مع الهوية، والموهبة الفردية مع اللحظة التاريخية.
خرجت فاطمة البلتاجي من قرية طماي الزهايرة في الدقهلية، لا بوصفها قصة صعود فردية فحسب، بل باعتبارها مرآة لتحولات مصر الكبرى خلال القرن العشرين. عاصرت مرحلة الليبرالية المصرية، وشهدت تشكّل الدولة الوطنية، ورافقت صعود المشروع القومي العربي، حتى أصبحت صوتًا رسميًا – وإن غير معلن – لوجدان الأمة العربية بأسرها.
لم يكن حضور أم كلثوم طاغيًا بسبب صوتها فقط، بل لأنها أحاطت نفسها بشبكة استثنائية من الرجال العظام في الفكر والسياسة والفن: من أحمد رامي وبيرم التونسي في الشعر، إلى القصبجي والسنباطي وعبد الوهاب في الموسيقى، وصولًا إلى علاقاتها السياسية التي امتدت من القصر الملكي إلى مؤسسة يوليو الناصرية. ولهذا تحديدًا، فإن أي محاولة لتقديم سيرتها فنيًا تصبح بالضرورة محط تدقيق قاسٍ، لأنها تمس رمزًا يتجاوز حدود الفن.
فيلم «الست»: حين تتحول السيرة إلى معركة أيديولوجية
يأتي فيلم «الست» من تأليف أحمد مراد وإخراج مروان حامد وبطولة منى زكي، محاولًا تقديم قراءة جديدة لسيرة كوكب الشرق. غير أن هذه القراءة، وفق التحليل النقدي، تبدو أسيرة زاوية واحدة ضيقة: اختزال مسيرة أم كلثوم في صراع دائم مع الرجال.
يُعيد السيناريو ترتيب الوقائع ليُظهر أغلب الرجال في حياتها كعوائق أو مصادر أذى: الأب متسلّط، الأخ نفعي، الوسط الفني معادٍ، وحتى الحلفاء يتم تقليص أدوارهم أو تفريغها من قيمتها التاريخية. هذه المقاربة، التي تنسجم مع بعض الخطابات الفكرية المعاصرة، تتجاهل حقيقة تاريخية واضحة: أم كلثوم لم تصعد رغم الرجال فقط، بل صعدت معهم، وشاركتهم في صناعة مجد فني هو نتاج عبقرية جماعية بقدر ما هو عبقرية فردية.
إن تصوير مسيرتها وكأنها معركة نسوية خالصة يُفقد السرد تعقيده الحقيقي، ويُحوّل شخصية بحجم أم كلثوم إلى نموذج درامي نمطي، بدل تقديمها بوصفها نتاج تفاعل معقد بين الموهبة، والذكاء الاجتماعي، والتحالفات الثقافية، والدعم السياسي.
السرد غير الخطي: طموح تقني أم عبء درامي؟
يعتمد الفيلم على بنية سردية غير خطية، تنطلق من حادثة سقوط أم كلثوم على مسرح الأولمبيا في باريس عام 1967، قبل أن تتشظى الأحداث عبر سلسلة من الاسترجاعات الزمنية المتداخلة. نظريًا، يتيح هذا الأسلوب مساحة تأملية واسعة، لكنه عمليًا يتحول إلى أداة استنزاف ذهني للمشاهد.
فكثرة الانتقالات بين الأزمنة، ووجود «فلاش باك» داخل «فلاش باك»، تجعل المتلقي منشغلًا بترتيب الأحداث بدل التفاعل الشعوري مع الشخصية. والأسوأ أن هذا التفكيك الزمني لا يخدم سوى فكرة واحدة متكررة: استعراض لحظات الانكسار التي تسبّب بها الرجال، وكيف نهضت أم كلثوم بعدها، ما يُفقد السرد تنوّعه ويجعله أسير رسالة واحدة مُلحّة.
الإخراج واللغة البصرية: جماليات بلا منطق ثابت
بصريًا، يسعى مروان حامد إلى تقديم عمل ذي طموح فني واضح، إلا أن الطموح لا يكتمل دائمًا بالاتساق. فالتنقل بين الأبيض والأسود والملون يتم دون منطق دلالي مستقر؛ تارة يُستخدم الأبيض والأسود للإشارة إلى الماضي، وتارة للحظات الضعف، ثم يظهر فجأة في مشاهد انتصار، ما يفقد هذا الخيار الجمالي معناه الرمزي.
أما الموسيقى التصويرية، فتقع في فخ الإفراط، إذ تُزاحم صوت أم كلثوم بدل أن تفسح له المجال. وهو قرار إخراجي يبدو متناقضًا مع قدسية الصوت الكلثومي الذي لا يحتاج إلى تعزيز بقدر ما يحتاج إلى صمت يحيطه.
منى زكي وأزمة التقمّص: بين الأصل والنسخة
وُضعت منى زكي أمام تحدٍ شبه مستحيل: محاكاة واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا في الذاكرة الجمعية العربية. غير أن إصرار الفيلم على الجمع بين الأداء التمثيلي والمقاطع الأرشيفية الأصلية خلق مقارنة قسرية لا تصب في مصلحة العمل، وتكسر الإيهام الدرامي باستمرار.
محاولة الالتزام الحرفي بالشكل، من اللهجة الريفية إلى الإيماءات الدقيقة، قيّدت الأداء بدل أن تحرّره. والمفارقة أن أقوى لحظات منى زكي كانت تلك التي تختفي فيها خلف النظارة السوداء، في إشارة غير مقصودة إلى أن الغياب أحيانًا كان أكثر إقناعًا من الحضور، وهو ما يفتح سؤالًا مشروعًا حول جدوى هذا النوع من التقمّص الحرفي.
خلاصة نقدية: فيلم ضخم… ورؤية ناقصة
في المحصلة، يبدو فيلم «الست» عملًا ضخمًا من حيث الإنتاج، لكنه محدود من حيث الرؤية. اختار زاوية أيديولوجية ضيقة، وأدار ظهره لتعقيد الشخصية التاريخية التي يتناولها، ووقع في فخ الارتباك السردي والبصري، ووضع بطلتَه في مواجهة مقارنة مستحيلة مع الأصل.
قد لا يُذكر الفيلم مستقبلًا بوصفه إضافة نوعية إلى سيرة أم كلثوم، بقدر ما سيُستشهد به كنموذج على مخاطر اختزال السير الذاتية العظيمة في خطاب واحد، دون بحث تاريخي عميق أو رؤية فنية شاملة تحترم وزن الأسطورة ومكانتها في الوعي الجمعي العربي.

تعليق واحد
علينا ان نسأل : ما هو هدف الفيلم بعد قرابة خمسين عاماً علي وفاة أم كلثوم؟ للأسف شوه صورتها المحفورة في أذهان كل محبيها ، وعليه فالعمل ساقط شكلا وموضوعا ، مهما كان فيه من نفقات أو إحتراف