
في 26 يناير/كانون الثاني 1885 شهد السودان حدثًا مفصليًا غيّر مسار تاريخه الحديث، بسقوط العاصمة الخرطوم في يد قوات الثورة المهدية، بعد حصار طويل أنهك الحامية المدافعة عنها، وأسفر عن مقتل القائد البريطاني تشارلز غوردون وعدد كبير من جنوده.
مثّل هذا الحدث الذروة العسكرية والسياسية للثورة التي قادها محمد أحمد المهدي، وأعلن معها بداية عهد جديد، انتقلت فيه المهدية من حركة دينية ثورية إلى سلطة حاكمة بسطت نفوذها على معظم أنحاء السودان.
حصار الخرطوم: عشرة أشهر غيرت مصير السودان
بدأ حصار الخرطوم في مارس/آذار 1884، عندما طوّق أنصار المهدي المدينة وقطعوا عنها خطوط الإمداد، في خطوة استراتيجية هدفت إلى عزلها عسكريًا وغذائيًا عن الإدارة المصرية والدعم البريطاني.
وخلال نحو عشرة أشهر من الحصار، تدهورت الأوضاع الصحية والمعيشية داخل المدينة بشكل متسارع، في مقابل تعزيز المهدي لقواته وتوسيع نطاق سيطرته حول الخرطوم، ما جعل سقوطها مسألة وقت لا أكثر.
ومع اقتحام المدينة في يناير 1885، انهارت آخر رموز السلطة السابقة، وفتح الطريق أمام قيام دولة جديدة ذات طابع ديني–سياسي.
من هو محمد أحمد المهدي؟
وُلد محمد أحمد بن عبد الله في منطقة دنقلا شمال السودان، لأسرة متواضعة يعمل عائلها في صناعة القوارب. وتشير مصادر تاريخية إلى أنه ادّعى الانتساب إلى النبي محمد، وعُرف منذ شبابه بتديّنه الشديد ونزعته الزهدية.
تلقى تعليمه الديني في إطار الطريقة السمانية الصوفية، ثم اعتزل لاحقًا في جزيرة أبا على النيل الأبيض، حيث كرّس حياته للعبادة والتقشف.
وفي عام 1880، قام بجولة في إقليم كردفان، لمس خلالها حالة السخط الشعبي المتزايد على الإدارة المصرية، ولاحظ ما اعتبره انحرافًا دينيًا وفسادًا إداريًا، وهو ما شكّل نقطة التحول في مسيرته.
إعلان المهدية وبداية الثورة
بعد عودته إلى جزيرة أبا، بدأ محمد أحمد يرى نفسه مصلحًا دينيًا مُرسلًا لإحياء الإسلام وإعادته إلى “نقائه الأول”، قبل أن يعلن نفسه صراحة المهدي المنتظر.
واعتبر أن علماء الدين المتحالفين مع الحكم المصري شركاء في الانحراف، بل ساوى بينهم وبين غير المؤمنين، في طرح ديني حادّ منح دعوته طابعًا ثوريًا جذريًا.
وسرعان ما التف حوله أتباع عُرفوا باسم الأنصار، رأوا فيه رمزًا لبداية عصر جديد من العدل بعد زمن طويل من الظلم.
القوى الاجتماعية الداعمة للمهدية
لم تكن الثورة المهدية نتاج فئة واحدة، بل تقاطعت حولها مصالح ودوافع متعددة:
- رجال الدين: رأوا في المهدي فرصة لتطهير المجتمع من ممارسات الحكم المصري.
- التجار: خاصة المتضررين من حملات غوردون ضد تجارة الرقيق، وجدوا في الدولة المهدية أفقًا اقتصاديًا جديدًا.
- عرب البقارة: وهم الرعاة الرحّل في كردفان ودارفور، شكلوا العمود الفقري للجيش المهدوي، إذ عوّضت أعدادهم الكبيرة وحماستهم الدينية ضعف التسليح والتنظيم.
الانتصارات العسكرية وصعود الدولة المهدية
أسهمت محاولات الحكومة اعتقال المهدي في تعزيز مكانته بدل إضعافه. وبحلول سبتمبر/أيلول 1882، كان أنصاره قد سيطروا على إقليم كردفان بالكامل.
وجاءت معركة شيكان في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1883 لتشكّل ضربة قاصمة للإدارة المصرية، بعد هزيمة جيش قوامه نحو عشرة آلاف جندي بقيادة هيكس باشا.
ومع سقوط الخرطوم عام 1885، فقدت مصر فعليًا السيطرة على السودان، وأُعلنت الدولة المهدية، واتخذت من أم درمان عاصمة لها.
حكم المهدي ووفاته المفاجئة
اعتمد المهدي في حكمه على كاريزما شخصية قوية، ونظام يمزج بين السلطة الدينية والقيادة السياسية. وأصدر أوامر وتنظيمات هدفت إلى إعادة تشكيل المجتمع على أسس إسلامية مغايرة للعهد السابق.
غير أن دولته ظلت قائمة على الزخم الثوري أكثر من قيامها على جهاز إداري متماسك. وبعد خمسة أشهر فقط من سقوط الخرطوم، توفي المهدي فجأة في 22 يونيو/حزيران 1885 عن عمر 41 عامًا، تاركًا دولة فتية تواجه تحديات جسيمة.
عبد الله التعايشي ومحاولة تثبيت الدولة
خلف المهدي خليفته عبد الله التعايشي، الذي واجه منذ البداية صراعات داخلية حادة. فعمل على تصفية خصومه وترسيخ سلطته في أم درمان، قبل أن يسعى إلى مواصلة المشروع التوسعي للمهدية.
وأرسل حملات عسكرية إلى دارفور والشرق والجنوب، وحقق بعض النجاحات المؤقتة، غير أن محدودية الموارد وتعقيد الجغرافيا أضعفت قدرة الدولة على التمدد المستدام.
الهزائم والمجاعة ونهاية المشروع المهدوي
كانت معركة توشكى عام 1889 نقطة تحول سلبية، إذ مُنيت القوات المهدية بهزيمة ساحقة أمام الجيش الأنجلو-مصري، ما أنهى عمليًا طموحات التوسع شمالًا.
وترافقت الحملات العسكرية المستمرة مع تراجع الإنتاج الزراعي، لتضرب السودان موجات من المجاعات والأوبئة أواخر القرن التاسع عشر.
ورغم تحسن نسبي بعد عام 1892، فإن التفوق العسكري البريطاني ظل حاسمًا، وانتهى المشروع المهدوي فعليًا بعد هزيمة أم درمان عام 1898، ومقتل عبد الله التعايشي في أم دبيكرات عام 1899.
من المهدية إلى الحكم الثنائي
أفضى سقوط الدولة المهدية إلى قيام نظام الحكم الثنائي الأنجلو-مصري عام 1899، الذي تقاسمت فيه مصر وبريطانيا السيادة شكليًا على السودان، بينما آلت السيطرة الفعلية لبريطانيا.
ومع ذلك، فإن تجربة المهدية بقيت واحدة من أبرز المحاولات التاريخية لبناء دولة سودانية مستقلة ذات مشروع ديني–سياسي، تركت أثرًا عميقًا في الوعي السياسي والاجتماعي للسودان الحديث.
