
لطالما اعتدنا على رؤية المياه العذبة تتدفق من صنابيرنا بلا انقطاع، معتقدين أن دورة الماء الطبيعية — من المحيطات إلى الهواء ثم إلى السحب فالأنهار فعودة إلى المحيطات — ستظل ثابتة إلى الأبد. ولكن للأسف، الواقع اليوم بات مختلفًا تمامًا.
تغير المناخ يعيد تشكيل دورة المياه على كوكب الأرض بوتيرة أسرع مما كنا نتصور، مما يهدد مستقبل توفر المياه العذبة في مناطق شاسعة حول العالم.
دورة المياه تتكثف: الجفاف يزداد والفيضانات تتضاعف
مع ارتفاع حرارة الأرض، بدأت دورة المياه تدخل في مرحلة تكثيف شديدة. ببساطة، أصبحت المناطق الجافة أكثر جفافًا، والمناطق الرطبة أكثر رطوبة.
هذا يعني تزايد وتيرة الجفاف الحاد في بعض الأماكن، مثل ما شهدناه في غرب الولايات المتحدة، وتفاقم العواصف والفيضانات في مناطق أخرى، مثل الفيضانات غير المسبوقة في ألمانيا والأمطار الغزيرة المتكررة في مومباي.
الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أكدت في تقريرها الصادر عام 2021 أن تغير المناخ يؤدي إلى تحولات طويلة الأمد في دورة المياه، وأن ما نشهده الآن ليس إلا البداية.
المحيطات: المرآة الصامتة لتحولات دورة المياه
لماذا يصعب قياس دورة المياه؟
رغم أهمية فهم دورة المياه، إلا أن قياس التغيرات فيها بدقة أمر صعب للغاية. 70% من سطح الأرض مغطى بالمحيطات، ولا توجد مقاييس كافية لقياس معدلات التبخر أو الهطول بدقة زمنية وجغرافية طويلة الأمد.
ملوحة المحيط كدليل خفي
اكتشف العلماء أن ملوحة المحيطات تعكس التغيرات في دورة المياه. فالأمطار تقلل من ملوحة سطح البحر، بينما يزيد التبخر من تركيز الأملاح. باستخدام هذه العلاقة، تم تطوير نماذج متقدمة تربط بين تغيرات ملوحة المحيط والتحولات في حركة المياه العذبة عالميًا.
دراسة جديدة تكشف أرقامًا صادمة
بحث علمي حديث نُشر في مجلة Nature، كشف أن كمية المياه العذبة التي انتقلت من المناطق المدارية إلى المناطق الباردة منذ عام 1970 تساوي نحو 46,000 إلى 77,000 كيلومتر مكعب — أي ما يعادل 123 ضعف كمية المياه الموجودة في ميناء سيدني.
هذا يعكس تكثيفًا في دورة المياه بنسبة تصل إلى 7%، وهو ما يفوق تقديرات دراسات سابقة كانت تشير إلى نسبة تتراوح بين 2% و4% فقط.
مستقبل مقلق: موجات جفاف وعواصف مطرية عنيفة
إذا استمرت دورة المياه في التكثّف بهذه الوتيرة، فإن البشرية ستواجه تحديات ضخمة، أبرزها:
- جفاف حاد في المناطق القاحلة مثل البحر المتوسط وأستراليا وأمريكا الوسطى.
- فيضانات وأمطار شديدة في مناطق مثل جنوب آسيا، والمناطق القطبية.
- تهديد مباشر للمناطق الحضرية التي تعتمد على مصادر محدودة للمياه العذبة، مما يزيد الحاجة إلى حلول كتحلية المياه.
حتى وإن نجحت البشرية في الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى أقل من 2°C، فإن التوقعات تشير إلى أن شدة الأحداث المناخية قد تزداد بنسبة 14% مقارنةً بالفترة المرجعية (1850–1900).
ما العمل؟ الخطوة الحاسمة تبدأ بالانبعاثات
الأبحاث أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن الانبعاثات الكربونية هي المحرك الأساسي لتغير المناخ وتكثيف دورة المياه. الغازات الدفيئة التي أطلقناها في الجو منذ منتصف القرن العشرين لا تزال تؤثر في أنظمتنا البيئية اليوم، والوتيرة في ازدياد.
لذلك فإن الحل الوحيد يكمن في:
- التحرك العاجل لتحقيق صافي انبعاثات صفرية.
- الاستثمار في تقنيات التكيف كتحلية المياه وإعادة استخدام المياه.
- التخطيط الحضري والمائي لمواجهة سيناريوهات الجفاف والفيضانات.
الخلاصة: مصير المياه بأيدينا
دورة المياه ليست مجرد عملية طبيعية، بل هي شريان الحياة على كوكب الأرض.
وإذا لم نتحرك بسرعة للحد من الاحتباس الحراري والانبعاثات، فإننا سنجد أنفسنا أمام عالم غير مألوف: عالم تندر فيه المياه العذبة، وتصبح فيه الكوارث المناخية أكثر عنفًا وانتشارًا.
مصير المياه ومصيرنا… قرار بيدنا.

تعليق واحد
رائع