
لم يكن سقوط مدينة الفاشر حدثًا عابرًا في سياق الصراع السوداني، بل مثّل تحولًا جذريًا في مسار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. فالمدينة، التي صمدت لأكثر من عام ونصف أمام حصار خانق، كانت آخر قلاع الدولة المركزية في غرب البلاد. ومع سقوطها، انفتحت أسئلة كبرى حول وحدة السودان، ومستقبل الدولة، وإعادة توزيع موازين القوى بين الطرفين المتنازعين.
إنّ سقوط الفاشر ليس مجرد خسارة ميدانية، بل رمز لانهيار أحد آخر أعمدة النظام الإداري والعسكري التقليدي، وإشارة إلى تغيّر الخريطة الجيوسياسية للسودان من الداخل.
الفاشر… من مدينة مقاومة إلى نقطة انعطاف
تاريخيًا، كانت الفاشر مركزًا حيويًا في دارفور، وعاصمةً رمزية لمقاومة الاستعمار وللهوية الإقليمية التي قاومت هيمنة المركز في الخرطوم. لذا، فإن سيطرة قوات الدعم السريع عليها لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل إعلانًا عمليًا عن نهاية نفوذ الدولة المركزية في الإقليم الغربي.
الصحافية السودانية شمائل النور اعتبرت أن السيطرة على الفاشر منحت الدعم السريع ورقة تفاوضية حاسمة في أي مفاوضات قادمة، لأنها غيّرت ميزان القوة على الأرض. وحذرت من أن استمرار الرهان على الحسم العسكري سيقود السودان نحو سيناريو شبيه بالحرب الليبية، حيث تنقسم الدولة فعليًا بين سلطتين ونظامين.
تحول موازين القوى وتآكل الدولة المركزية
يتفق العديد من المراقبين مع رؤية الباحثة المصرية د. أماني الطويل التي وصفت سقوط الفاشر بأنه نقطة تحول حاسمة في الحرب السودانية، لا بسبب رمزية المدينة فحسب، بل لأنه يعكس تغيّرًا جوهريًا في موازين القوى داخل البلاد.
فالفاشر اليوم ليست مجرد مدينة محتلة، بل مؤشر على تفكك الدولة المركزية، وتحول السودان إلى أقاليم شبه مستقلة متنازعة النفوذ، يدير كلٌّ منها صراعه الخاص على الأرض، مدعومًا بتحالفات إقليمية ودولية متشابكة.
خطاب البرهان: دفاع عن شرعية متآكلة
في خطابه الذي أعقب سقوط المدينة، حاول الفريق أول عبد الفتاح البرهان رسم صورة لقواته باعتبارها درع الوطن وحامية الشعب. تحدث عن الانسحاب من الفاشر باعتباره “قرارًا إنسانيًا لتجنب الدمار والقتل الممنهج”، مؤكدًا أن الحرب لم تنتهِ بعد، بل “هي مرحلة من المعركة الكبرى التي ستُحسم لصالح الوطن”.
لكن بين سطور الخطاب، ظهر اعتراف غير مباشر بعجز الجيش عن حماية آخر معاقله في دارفور. فالنبرة التي اتسم بها حديث البرهان كانت دفاعية أكثر منها هجومية، واعتمدت على استثارة العواطف الدينية والوطنية في محاولة لاستعادة الثقة داخل المؤسسة العسكرية المرهقة من الحرب الطويلة.
حميدتي… من زعيم مليشيا إلى قائد مشروع سياسي
في المقابل، خرج محمد حمدان دقلو “حميدتي” بخطاب المنتصر. أعلن أن “تحرير الفاشر ليس انقسامًا للسودان، بل خطوة نحو وحدته”، مؤكدًا أن قواته “لا تسعى للسلطة بل للسلام”.
اللافت أن حميدتي سعى لتقديم نفسه كـ رجل دولة يمتلك مشروعًا سياسياً بديلاً، مستعرضًا حكومته الموازية “تحالف تأسيس” في نيالا، ومؤكدًا أنه يسعى لبناء “جيش جديد ودولة مدنية ديمقراطية”.
هذا الخطاب لم يكن عفويًا، بل محاولة ذكية لتدويل الصراع وتقديم الدعم السريع كطرف قابل للاعتراف الدولي، وليس مجرد قوة متمردة خارجة عن القانون.
كما حرص حميدتي على إرسال إشارات إيجابية للمنظمات الدولية حين شدد على “منع قتل الأسرى والاعتداء على المدنيين”، وهي محاولة لتلميع صورته بعد الاتهامات الموجهة لقواته بارتكاب فظائع عقب السيطرة على المدينة.
البرهان بين مطرقة العزلة وسندان الإسلاميين
في الوقت ذاته، يجد البرهان نفسه في عزلة متزايدة، بعد أن أصبح رهينة تحالفه مع بقايا النظام الإسلامي القديم. فخطاب الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي بعد سقوط الفاشر، جاء بلغة دينية تحريضية، دعا فيها إلى “الثأر من الميليشيات السفاكة ودولة الشر”، مستخدمًا مصطلحات الجهاد والكرامة، مستحضرًا خطاب التسعينات ضد الجنوب.
هذا الخطاب يعيد إنتاج مناخ الحرب العقائدية التي مزقت السودان في الماضي، ويُظهر أن جزءًا من المؤسسة السياسية والعسكرية لا يزال يعيش داخل عقلية الحرب المقدسة، بدلًا من التعامل مع الواقع السياسي الجديد.
بين خطاب الجهاد ورؤية العقلاء
المحلل السوداني محمد لطيف يرى أن استمرار الحرب بهذا الشكل لا يهدد بوحدة السودان فقط، بل يفتح الباب أمام “لبننة” المشهد السياسي، أي تحويل البلاد إلى كانتونات مسلحة تسيطر عليها قوى محلية وقبلية.
ويعتبر أن الخطاب الديني الذي يتبناه الإسلاميون لا يخدم سوى إطالة أمد الحرب، وأن الجيش يستخدم شعارات الوحدة الوطنية فقط لأغراض تعبئة سياسية مؤقتة، بينما الواقع يشهد تآكل الثقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني.
السودان في مرآة الإقليم
الصحافي المصري إبراهيم عيسى قدّم رؤية أكثر تشاؤماً، إذ رأى أن سقوط الفاشر ليس سوى محطة في طريق تفكك السودان، معتبرًا أن الصراع الدائر هو ثمرة مباشرة لسياسات الإسلاميين الذين أنشأوا قوات الدعم السريع ورعوها.
وفي تحليله، لا فرق بين البرهان وحميدتي، فكلاهما “نتاج نظام عسكري إسلامي دمّر السودان”، والبلاد اليوم تعيش نهاية حقبة كاملة من تاريخها، حيث تسقط الدولة المركزية ومعها رمزية الخرطوم كعاصمة واحدة للأمة.
توازن القوى الجديد: من يملك الأرض ومن يملك القرار؟
يؤكد خبراء عسكريون أن الحرب السودانية دخلت مرحلة استنزاف طويلة، لم تعد السيطرة المكانية فيها هي معيار النصر.
فبحسب د. أماني الطويل، السؤال اليوم لم يعد “من يملك الأرض؟”، بل “من يملك الحركة والمعلومة؟”.
هذا التحول يعكس واقعًا جديدًا: الجيش فقد قدرته على المناورة الواسعة، بينما تمتلك قوات الدعم السريع مرونة ميدانية واتصالًا لوجستيًا أوسع.
الخبير العسكري عمر أرباب حذر من أن الدعم السريع قد يتجه لمحاصرة الأبيض في شمال كردفان، تمهيدًا للتوسع التدريجي غربًا وجنوبًا، لكنه استبعد أن تتمكن من التقدم شرقًا نحو الخرطوم في المرحلة الراهنة بسبب ضعف خطوط الإمداد، مؤكدًا أن الحرب المقبلة ستكون حرب مسيّرات وضربات خاطفة لا حروب مدن طويلة.
التدخلات الإقليمية… حرب بالوكالة في الأفق
رغم غياب التدخل العسكري المباشر من القوى الإقليمية، إلا أن السودان بات ساحة تنافس استخباراتي ودبلوماسي بين أطراف عربية وأفريقية.
فكل طرف يراهن على وكيله المحلي، سواء الجيش الذي يحتمي بشرعية الدولة، أو الدعم السريع الذي يسعى لاكتساب اعتراف سياسي بحكم الأمر الواقع.
هذا الوضع يُنذر بتكرار تجربة ليبيا أو اليمن، حيث تتحول الحرب إلى صراع مفتوح تموله الأطراف الخارجية وتديره من خلف الستار.
المشهد السوداني إلى أين؟
السودان اليوم يقف على حافة تحوّل تاريخي.
سقوط الفاشر لم يكن نهاية معركة، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع ستحدّد شكل الدولة المقبلة.
إما أن تنجح الأطراف في الوصول إلى تسوية سياسية واقعية تحفظ ما تبقى من مؤسسات الدولة، أو ينزلق السودان إلى حرب لا نهائية تُعيد رسم خريطته بالكامل على أسس قبلية وإقليمية.
في ميزان القوى الحالي، يبدو أن الدعم السريع كسب المعركة الميدانية، لكن الجيش لا يزال يحتفظ بشرعية الدولة والعلاقات الخارجية. أما الشعب السوداني، فهو الخاسر الأكبر في حرب تتنازع فيها البنادق رواية الوطن، وتتحوّل فيها “الفاشر” من مدينة مقاومة إلى رمز لولادة دولة جديدة على أنقاض القديمة.

تعليق واحد
رائع