
استأنفت شركة التجزئة البريطانية الشهيرة ماركس أند سبنسر (Marks & Spencer) تقديم خدماتها الإلكترونية لبيع الملابس عبر موقعها الرسمي يوم الثلاثاء الموافق 10 يونيو، وذلك بعد توقف استمر 46 يومًا إثر هجوم سيبراني خطير طال أنظمتها الداخلية. هذا الحدث لم يكن مجرد انقطاع مؤقت في الخدمة، بل كان إنذارًا قويًا للشركات الكبرى حول العالم بضرورة تعزيز دفاعاتها الرقمية.
استئناف الخدمات الإلكترونية بحذر
أعلنت الشركة أنها بدأت بتوصيل الطلبات المنزلية لمنتجات الملابس في مناطق إنجلترا واسكتلندا وويلز، مع تركيزها على المنتجات الأكثر مبيعًا والعناصر الجديدة. وأكد المتحدث باسم الشركة أن المجموعة المعروضة حاليًا ليست شاملة، لكنها ستتوسع بشكل يومي لتشمل المزيد من المنتجات خلال الأيام المقبلة.
أما فيما يتعلق بمنطقة أيرلندا الشمالية، فقد أوضحت M&S أن خدمة التوصيل إليها ستُستأنف خلال الأسابيع القادمة، إلى جانب خدمات الحجز والاستلام من الفروع، والتوصيل السريع، والتوصيل في مواعيد محددة، بالإضافة إلى الطلبات الدولية.
الهجوم السيبراني الذي أربك العمليات
تعود بداية الأزمة إلى تاريخ 25 أبريل، عندما قررت الشركة تعليق عمليات البيع الإلكتروني لملابسها ومنتجاتها المنزلية بسبب مشاكل تقنية في أنظمة الدفع بدون تلامس وخدمات الاستلام من المتاجر، التي ظهرت خلال عطلة عيد الفصح. ومع تصاعد الأمور، كشفت M&S لأول مرة عن تعرضها لهجوم إلكتروني في 22 أبريل، وهو ما تسبب في توقف كامل لخدمات التجارة الإلكترونية.
وبحسب التقارير والتحقيقات الأولية، فإن الاختراق تم من خلال خداع موظفين في شركة خارجية متعاقدة مع M&S، مما سمح للمخترقين بالدخول إلى الأنظمة الداخلية دون المرور بالدفاعات التقليدية.
في مايو الماضي، أكدت الشركة أن بعض البيانات الشخصية للعملاء قد تم اختراقها، مما زاد من حدة القلق لدى العملاء والمستثمرين على حد سواء. وأشار خبراء الأمن السيبراني إلى أن الهجوم كان من نوع برامج الفدية (Ransomware)، وأن الشركة رفضت دفع الفدية بناءً على نصيحة حكومية، وبدأت عملية إعادة بناء شاملة لأنظمتها الرقمية.
من يقف وراء الهجوم؟
أشارت وسائل الإعلام ومصادر استخبارية إلى أن الجهة المسؤولة عن الهجوم تُعرف باسم Scattered Spider، وهي مجموعة قراصنة مرتبطة بتنظيم أوسع يُعرف باسم DragonForce. وتُعد هذه المجموعة متخصصة في شن هجمات فدية تستهدف البنية التحتية الحيوية للشركات الكبرى.
ووفقًا لمصدر مطلع تحدث لوكالة رويترز، فإن الهجوم استخدم حسابات موظفين يعملون لدى Tata Consulting Services، إحدى الشركات المتعاقدة مع M&S، كنقطة دخول رئيسية إلى الأنظمة.
تداعيات الهجوم على الاقتصاد والعلامة التجارية
لم تكن تكاليف الهجوم مادية فقط، بل شملت أيضًا ضررًا محتملًا على سمعة العلامة التجارية، التي كانت تُصنف في العام الماضي من قبل مؤسسة YouGov كـ أفضل علامة تجارية في المملكة المتحدة.
وبحسب التقديرات، فإن الضرر المالي المباشر الناتج عن الهجوم قد يصل إلى أكثر من 60 مليون جنيه إسترليني من الأرباح المفقودة، كما تراجعت قيمة سهم الشركة في البورصة بأكثر من مليار جنيه إسترليني.
وقالت M&S إنها تتوقع أن تستمر بعض الاضطرابات في خدماتها الإلكترونية حتى شهر يوليو، وإن التأثير الكلي على الأرباح التشغيلية قد يصل إلى 300 مليون جنيه إسترليني في السنة المالية 2025/2026، رغم الجهود لتقليل هذا الرقم عبر التأمين وإدارة التكاليف.
تسارع الشركات نحو الأمن السيبراني
على الصعيد العالمي، بدأ قطاع التجزئة برمتها في إعادة النظر في استراتيجياته الأمنية، حيث أصبحت الهجمات الإلكترونية تهديدًا وجوديًا يتطلب استثمارات سريعة في البنية التحتية الرقمية الآمنة.
وأكد أحد التنفيذيين البريطانيين أن الشركات تسعى الآن إلى تبني نموذج أمان متعدد الطبقات، بما في ذلك التحقق المتعدد، وتدريب الموظفين على الوعي السيبراني، واعتماد حلول ذكاء اصطناعي لكشف التهديدات المبكرة.
كيف تفاعل العملاء مع الأزمة؟
رغم كل التحديات، أظهر العملاء مرونة عالية واستعدادًا لمواصلة التعامل مع العلامة التجارية داخل المتاجر الفعلية، وفقًا لما أكده مصدر مقرب من إدارة M&S. ومع ذلك، أعربت الشركة عن قلقها من تزايد impatience العملاء نتيجة التأخير في استعادة الخدمات الإلكترونية الكاملة.
مستقبل التكنولوجيا في M&S
في ظل هذه الأزمة، أعلنت M&S أنها ستتخذ من هذه الحادثة نقطة انطلاق لتسريع عمليات تحديث وتطوير البنية التحتية التكنولوجية الخاصة بها، بهدف بناء نظام رقمي أكثر أمانًا وأكثر كفاءة.
وقال خبراء إن هذا التوجه قد يكون له آثار إيجابية طويلة الأمد، خاصة إذا تم تنفيذه ضمن استراتيجية شاملة تشمل تحسين تجربة المستخدم ورفع مستوى الأمان الرقمي.
الخلاصة
حادثة اختراق M&S ليست مجرد قصة محلية، بل هي إنذار لجميع الشركات الكبرى بأن الأمن السيبراني ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية. وعودة الشركة إلى السوق الرقمي بخطوات مدروسة، تؤكد أن الأولوية الآن ليست فقط للسرعة، بل للسلامة والثقة – وهما الركيزة الأساسية لبناء علاقة دائمة مع العملاء في العصر الرقمي.

تعليق واحد
موفق