
في عمق ضواحي مدينة دنفر بولاية كولورادو، وفي قاعة مليئة بالشاشات العملاقة، دوّى صوت أحد عناصر المراقبة قائلاً:
“إطلاق من اليمن!”
وسرعان ما ردّ الفريق بصوت موحّد: “رُصِد!”
لكن هؤلاء ليسوا جنودًا تقليديين يرتدون الخوذ والدروع، بل هم أفراد من قوة الفضاء الأمريكية، ويُطلق عليهم رسميًا “الحُرّاس”. مهمتهم لا تقل أهمية عن أي وحدة قتالية، بل تتجاوزها تقنيًا واستراتيجياً: رصد وتتبع أي إطلاق صاروخي في العالم باستخدام شبكة من الأقمار الصناعية العسكرية المتطورة.
الإنذار المبكر: غرفة العمليات التي لا تنام
داخل قاعدة باكلي في كولورادو، حيث سُمح لفريق من BBC بالدخول النادر إلى غرفة العمليات، يعمل الحرّاس بلا توقف على تحليل البيانات الحرارية والخرائط اللحظية، التي تُظهر إشارات الأشعة تحت الحمراء لأي إطلاق صاروخي حول الكرة الأرضية.
خلال التمرين الذي شهدوه، أُطلقت محاكاة جديدة:
“إطلاق من إيران!”
ليأتي الرد مجددًا: “رُصِد!”
لكن هذا السيناريو ليس خياليًا بالكامل. ففي الواقع، أطلقت إيران صواريخ بالفعل على قاعدة “العديد” الأمريكية في قطر، ردًا على هجمات أمريكية وإسرائيلية، وكان لقوة الفضاء دور محوري في رصد التحركات وتوجيه بطاريات الدفاع الأرضية.
الإنذار الذي ينقذ الأرواح
تؤكد العقيد “آن هيوز”، إحدى القادة المسؤولين عن عمليات الرصد، أن السرعة في تحليل البيانات ودقة التتبع هما ما يصنعان الفرق بين الحياة والموت. وتقول:
“نجحنا في حماية القاعدة وكل من فيها بفضل سرعة الرصد وفعالية الاتصالات.”
كما أوضحت أن وحدتها كانت مشغولة على مدار السنوات الأخيرة بمتابعة النزاعات في الشرق الأوسط وأوروبا، مشيرة إلى احتمالية إرسال تحذيرات استراتيجية لحلفاء مثل أوكرانيا، دون تأكيد رسمي لذلك.
“القبة الذهبية”: مشروع طموح للدفاع الفضائي
من قلب قاعدة باكلي، تنطلق تجهيزات مشروع دفاعي ضخم أُعلن عنه في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب تحت اسم “القبة الذهبية“، والمستوحى من النظام الإسرائيلي “القبة الحديدية”. المشروع خصصت له الولايات المتحدة ميزانية ابتدائية قدرها 175 مليار دولار، إلا أن التوقعات تشير إلى تضاعف التكلفة مستقبلاً.
داخل القاعدة، تنتشر “رادومات” عملاقة تشبه كرات الغولف، تحمي أطباقًا لاقطة على تواصل دائم مع أقمار صناعية عسكرية، بعضها تمكن حتى من رصد إشارات قادمة من مستعر أعظم يبعد 11 ألف سنة ضوئية.
تهديدات من الشرق: الصين وروسيا تدخلان ساحة التحدي
الفريق “ديفيد ميلر”، قائد عمليات الفضاء الأمريكية، يحذر من تسارع التهديدات القادمة من الصين وروسيا. فهاتان الدولتان تطوران صواريخ فرط صوتية تتجاوز سرعة الصوت بأكثر من خمس مرات، بعضها قادر على الخروج من الغلاف الجوي في أنظمة إطلاق مدارية، مما يجعل تتبعها مهمة شبه مستحيلة.
ويضيف ميلر:
“الردع الوحيد هو امتلاك قدرة اعتراض فضائية متقدمة. لا نبحث عن حرب فضائية، بل نريد خيارات لحماية مصالحنا.”
دلتا 7: العيون الأمريكية في المدار
في مدينة كولورادو سبرينغز، تُشرف العقيد فينيكس هاوزر على وحدة “دلتا 7” المتخصصة في الاستخبارات والمراقبة الفضائية. من هناك، تتابع فرقها آلاف الأقمار الصناعية تدور حول الأرض، وتتوقع أن يصل عددها إلى 60 ألف قمر بحلول نهاية العقد.
وتصف الصين بأنها “التهديد المتسارع”، حيث تمتلك حاليًا أكثر من ألف قمر صناعي، نصفها مخصص للاستخدامات العسكرية، وتخطط لإطلاق آلاف إضافية.
تحذّر هاوزر من أن بعض الأقمار الصينية والروسية باتت تمتلك أدوات للتشويش الإلكتروني، وأشعة ليزر، بل وحتى أذرع آلية لنقل أو تعطيل أقمار صناعية أخرى.
هل بدأت معارك الفضاء فعليًا؟
رغم أن مشاهد “القتال الفضائي” ما زالت أقرب لأفلام هوليوود، تؤكد هاوزر أن الاشتباك غير المباشر قد بدأ بالفعل، من خلال الاقتراب الخطير للأقمار الصناعية، ومحاولات التشويش، وجمع المعلومات عبر أدوات دقيقة.
وتقول:
“لم نصل بعد إلى مستوى صواريخ Top Gun في الفضاء، لكن يجب أن نكون مستعدين لهذا السيناريو.”
عمليات هجومية غير مرئية: “مطرقة منتصف الليل”
خلال العملية التي عُرفت باسم “مطرقة منتصف الليل” ضد منشآت نووية إيرانية، لعبت قوة الفضاء الأمريكية دورًا محوريًا في حماية قاذفات B-2، من خلال السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، وضمان عدم تعرض القوات لأي تشويش أثناء تنفيذ الضربات الجوية.
وصرّح الفريق ميلر:
“كان علينا أن نمنع العدو من معرفة ما يحدث، وتأكدنا من بقاء قنوات الاتصال نظيفة ودقيقة.”
وكانت وحدات دلتا 3 مسؤولة عن عمليات الحرب الإلكترونية، باستخدام أطباق عملاقة قادرة على اعتراض اتصالات العدو، أو بث ضوضاء إلكترونية لتشويشها.
التفوق الفضائي: الخيار الوحيد لمنع الحرب
رسالة قوة الفضاء الأمريكية واضحة:
من يملك السماء يملك الأرض.
ويختم الفريق ميلر بقوله:
“الجيش الأمريكي كله يعتمد على التفوق الفضائي، ولن نسمح لأحد بتهديد هذا التفوق. عندما نقرر التحرك، فليكن الله في عون خصومنا.”

تعليق واحد
موفق