
“أعتقد أنه لكل عائلة نكبة”. جملة واحدة تكفي لتوقيف القارئ عند قراءة رواية “هاملت بمحاذاة الجدار” للكاتبة الفلسطينية الشابة إيزابيلا حمّاد (1991)، الصادرة ضمن سلسلة “من العالم أجمع” عن دار غاليمار عام 2025. إيزابيلا، المولودة في بريطانيا لأب فلسطيني من نابلس، تصنع من هذه الرواية نافذة إلى التجربة الفلسطينية المعاصرة، مزجاً بين الفن والهوية والسياسة في آن واحد.
البداية عند المطار: تجربة فلسطينية تحت التفتيش
تبدأ الرواية مع البطلة سونيا ناصر عند وصولها إلى المطار، حيث يخضع الجواز البريطاني والديانة المسيحية التي تعتنقها لتفتيش أمني دقيق ومهين. سونيا تصف التجربة قائلة:
“أرادوا تحديداً معرفة صلات عائلتي بالمكان، وكررت أربع مرات أن أختي تعيش هنا، لكني شخصياً لم أعد منذ أحد عشر عاماً إلى فلسطين. لماذا؟ استمروا في السؤال، ولم يكن لدي أي تفسير”.
اللحظة تتوج بسرد مليء بالانفعالات حين تسمع عبارة: “مرحباً بك في إسرائيل”، بعد تفتيش مهين للملابس وتدقيق في الجواز. هذه البداية تؤسس للنبرة الإنسانية والسياسية المركبة التي تمتاز بها الرواية، وتغرس لدى القارئ الشعور بالضغط النفسي الذي تعيشه الشخصيات الفلسطينية حتى مع امتلاكها جنسيات أجنبية.
رحلة إلى حيفا: إعادة وصل الماضي
سونيا ناصر، ممثلة مسرحية مقيمة في لندن، تزور حيفا لملاقاة شقيقتها حنين، الأستاذة الجامعية الحاصلة على الجنسية الإسرائيلية. الهدف الأساسي من هذه الزيارة ليس مجرد عطلة، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع من ذاكرة العائلة والجذور.
سونيا، المطلقة في أواخر الثلاثينات، جاءت بعد فترة مرهقة من التدريب المسرحي وعلاقة عاطفية صعبة، لتجد نفسها وسط انعطاف كبير في حياتها: كأن العطلة تتحول إلى تجربة مكثفة في استحضار الذكريات واحتكاك مباشر بالواقع الفلسطيني.
“عند أقواس المدينة القديمة، جررت حقيبتي عبر زقاق ضيّق، ولما رأيت السماء الزرقاء ملتهبة فوق سور البحر، توقفت. لم أكن قد هيّأت نفسي لهذا الوقع الجسدي، ولذاكرة الحواس”.
المسرح والهويات المتشابكة: هاملت في فلسطين
الرواية تتقاطع مع مسرحية هاملت التي تُقدّمها فرقة سونيا في الضفة الغربية. إخراج المخرجة مريم منصور ومشاركة الأخ النائب سليم، يضع الشخصيات في مواجهة مباشرة مع القيود الأمنية والسياسية، بين التنقل عبر نقاط التفتيش، التهديد بالاعتقال، والقلق من الممارسات التعسفية.
“كنا نجلس في سيارة تحمل لوحات إسرائيلية صفراء، امرأة أجنبية تحمل اسماً عربياً، ومواطنان فلسطينيان من الداخل، ومقيم واحد من الضفة يحمل تصريحاً مؤقتاً. تقترب السيارة من الحاجز. الطابور بطيء، والجنود يفتشون كل مركبة بغض النظر عن لون لوحتها”.
المفارقة التي تعكسها الرواية هي كيف تتقاطع الحياة اليومية مع المسرح: سونيا وأبطالها يعيشون العادية ضمن ظروف غير عادية، ويمارسون الفن وسط قلق دائم، لكنه فن يُعيد تشكيل الهوية الفلسطينية ويمنحها صوتاً وسط الضغط السياسي.
مواجهة الاحتلال بالثقافة والفن
إيزابيلا حمّاد تقدم من خلال الرواية صورة أصيلة للحياة الفلسطينية، تجمع بين عناصر المقاومة الثقافية والصراعات الداخلية، وتكشف التوترات الاجتماعية والسياسية. الشخصيات ليست مجرد ضحايا، بل فاعلون يبحثون عن الوحدة الثقافية رغم الانقسام السياسي:
“لقد منعونا من الوحدة السياسية، لكن يمكننا أن نضخ الأموال في بناء نوع من الوحدة الثقافية”.
أسلوب الكاتبة يتميز بالجرأة والوعي الأنثوي، حيث تعكس تجربة سونيا ليس فقط الفلسطينيين في الشتات، بل كل امرأة تتصارع مع جذورها وهويتها في عالم معقد. الرواية تحرر السرد الفلسطيني من الصور النمطية، مقدمة تجربة إنسانية واسعة، تتخطى حدود الجغرافيا لتصل إلى القارئ الغربي والعالمي بفهم أعمق للواقع الفلسطيني.
الفن كسلاح: مواجهة الأشباح
سونيا لم تر فلسطين منذ الانتفاضة الثانية، لكن الرواية تصوّر كيف يواجه الفن الفلسطيني الاحتلال بطريقة فنية قوية، تكشف عن “الأشباح” التي تحملها الذاكرة الجماعية. المسرح هنا ليس مجرد أداء، بل ساحة مواجهة، حيث يختبر الممثلون حدود التحمل الجسدي والنفسي، ويعيدون صياغة مفهوم المقاومة خارج الإيديولوجيات الضيقة.
نبذة عن الكاتبة: إيزابيلا حمّاد
ولدت ونشأت إيزابيلا حمّاد في لندن، وتعد من أبرز الروائيين الشباب تحت سن الأربعين. روايتها الأولى “الباريسي” حازت على جوائز عدة وترجمت إلى 16 لغة. روايتها الثانية “دخول الشبح”، التي تتناول إنتاج مسرحي فلسطيني لمسرحية هاملت في الضفة الغربية، حظيت بإشادة واسعة، وفازت بجوائز إنكور وأسبن ووردز الأدبية، مؤكدة مكانتها كصوت فلسطيني عالمي يجمع بين الفن والهوية والتاريخ.
خلاصة
رواية “هاملت بمحاذاة الجدار” هي أكثر من قصة فلسطينية، إنها رحلة حسية، سياسية، وثقافية، تأخذ القارئ إلى قلب الواقع الفلسطيني المعاصر، عبر تجربة شخصية تجمع بين الفن والمقاومة والذاكرة. إيزابيلا حمّاد لم تكتب رواية عن فلسطين فحسب، بل قدمت تجربة إنسانية تصل لكل قارئ، وتفتح نافذة على فهم أوسع للصراع والهوية والإنسانية.

تعليق واحد
رائع