
شهدت العلاقة المتوترة بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورجل الأعمال إيلون ماسك تصعيداً جديداً، هذه المرة حول مشروع قانون الإنفاق الحكومي، مما أثار حالة من الغموض بشأن مستقبل ميزانية وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”، التي تواجه تخفيضات مالية حادة قد تغير وجه الاستكشاف الفضائي الأمريكي إلى الأبد.
ميزانية 2025: تقلص التمويل العلمي وتُعزز رحلات القمر والمريخ
كشفت الوكالة مؤخراً عن طلبها الرسمي لميزانيتها للسنة المالية 2025، والذي يتضمن خفضاً كبيراً في تمويل المشاريع العلمية بنحو 50%. هذا الانخفاض قد يؤدي إلى إلغاء ما يقارب 40 مهمة فضائية قيد التطوير أو الجارية بالفعل، بما فيها مهام استكشاف الكواكب الأخرى ومراقبة تأثيرات التغير المناخي من الفضاء.
في الوقت ذاته، تم إبقاء باب الدعم مفتوحاً أمام مشروع “العودة إلى القمر” وبرنامج السفر إلى المريخ، حيث حصلت هذه المهمات على دعم إضافي بلغ 100 مليون دولار. هذا الاتجاه يعكس إعادة توجيه استراتيجية ناسا نحو أهداف سياسية واستكشافية واضحة، تتمثل في تفوق الولايات المتحدة على الصين في سباق الوصول إلى سطح القمر، ومن ثم الزحف نحو المريخ.
تهديدات ترامب ضد “سبيس إكس”.. هل تؤثر على التعاون الفضائي؟
لم تقتصر التطورات السياسية على مستوى الميزانية فقط، بل شملت تهديدات مباشرة من الرئيس ترامب بإلغاء العقود الفيدرالية مع شركة “سبيس إكس”، الشركة الفضائية الخاصة التي يمتلكها إيلون ماسك، والتي تلعب دوراً محورياً في دعم عمليات ناسا، بما في ذلك:
- إعادة تزويد محطة الفضاء الدولية بالإمدادات والطواقم.
- استخدام صاروخ “ستارشيب” المستقبلي في نقل رواد الفضاء إلى القمر والمريخ.
وقد أثار هذا التوتر قلق الخبراء، الذين حذروا من أن مثل هذه القرارات المتسرعة قد تُعرقل برامج الفضاء طويلة الأمد التي تعتمد على التخطيط الدقيق والتعاون المستقر بين الحكومة والقطاع الخاص.
تحذيرات علمية: “الانعطافات السياسية تهدد أساسات الاستكشاف”
قال الدكتور سيميون باربر، عالم الفضاء في الجامعة المفتوحة، إن “القرارات السياسية المفاجئة تلقي بظلالها المُخيفة على مستقبل البرنامج البشري في الفضاء”. وأضاف:
“الاستكشاف الفضائي لا يمكن أن يبنى على قرارات مُتسرّعة أو توجهات سياسية عابرة، بل يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، تستند إلى الشراكات والاستقرار”.
ويشير باربر إلى أن العديد من المشاريع العلمية التي قد تُلغى كانت قد استهلكت جزءاً كبيراً من ميزانياتها خلال مراحل التطوير والإطلاق، وبالتالي فإن الإلغاء لن يحقق وفورات كبيرة، بل سيؤدي إلى هدر موارد سابقة.
مشاريع كوكبية وإنسانية على المحك
من بين المشاريع المهددة بالإلغاء:
- مهمة إعادة العينات المريخية إلى الأرض، وهي مجهود مشترك بين ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية (ESA).
- إطلاق عربة “روزاليند فرانكلين” الجوالة الأوروبية إلى المريخ، بهدف البحث عن آثار للحياة السابقة.
- برامج مراقبة الأرض من الفضاء، التي توفر بيانات حيوية عن تغير المناخ والطقس العالمي.
وحذر الدكتور آدم بيكر، محلل الفضاء في جامعة كرانفيلد، من أن تقليص هذه البرامج “يشبه إطفاء المصباح الذي يتيح لنا رؤية تغيرات المناخ مبكراً”. وأضاف:
“برامج مراقبة الأرض هي بمثابة طائر الكناري في منجم الفحم؛ فهي تنذر بالمخاطر البيئية قبل أن تصبح كارثية”.
التنافس التجاري في الفضاء.. هل سيحل القطاع الخاص محل ناسا؟
تشمل مقترحات الميزانية الجديدة التخلص التدريجي من صاروخ “نظام الإطلاق الفضائي” (SLS) التابع لناسا، والذي تجاوزت تكاليفه الميزانية عدة مرات لتصل إلى 4.1 مليار دولار لكل عملية إطلاق. ويأتي ذلك في ظل تطورات متسارعة من جانب الشركات الخاصة، مثل:
- سبيس إكس وصاروخها القابل لإعادة الاستخدام “ستارشيب”، بتكلفة متوقعة تبلغ 100 مليون دولار لكل إطلاق.
- بلو أوريجن التابعة لجيف بيزوس، ومشروعها الطموح “نيو جلين”، الذي يهدف لتحقيق وفورات مشابهة.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن الاعتماد الكامل على الصواريخ الخاصة لا يخلو من المخاطر، خاصةً بعد فشل ثلاث عمليات إطلاق تجريبية لـ”ستارشيب”، وتأخر بدء الاختبارات على “نيو جلين”.
هل يمثل هذا التوجه بداية نهاية الهيمنة الأمريكية في الفضاء؟
يرى البعض أن هذه التخفيضات قد تكون فرصة لأوروبا وغيرها من الدول لتعزيز استقلاليتها في مجال الفضاء. وصرّح البروفيسور السير مارتن سويتينغ بأن “الاعتماد المفرط على ناسا قد يكون له ثمن باهظ إذا تراجعت الوكالة عن دورها القيادي”.
لكن في المقابل، أكد أن “التأثير السلبي سيكون أكبر على المدى القصير، خاصةً فيما يتعلق بمشاريع التعاون الدولي، مثل محطة الفضاء الدولية، ومشروع ‘بوابة القمر’ متعدد الجنسيات”.
هل سيُوافق الكونجرس على هذه المقترحات؟
حتى اللحظة، لم يتم التصويت النهائي على مقترحات الميزانية من قبل الكونجرس. ومع ذلك، أعرب كيسي دريير، رئيس السياسات الفضائية في الجمعية الكوكبية، عن قلقه من أن الجمود السياسي قد يؤدي إلى تبني الميزانية المخفضة كحل مؤقت، وهو ما قد يصعب التراجع عنه لاحقاً.
“إيقاف مهمة فضائية يعني عملياً إنهاءها نهائياً، إذ يكاد يكون من المستحيل إعادة تشغيلها مرة أخرى بعد فقدان الخبرات والبنية التحتية”.
الخلاصة: هل نحن أمام نهاية حقبة أم بداية جديدة؟
بينما يرى المؤيدون أن هذه التخفيضات تعيد إلى ناسا هدفاً استراتيجياً واضحاً كما كان الحال في حقبة أبولو، يرى النقاد أنها تضع مستقبل الاستكشاف العلمي والبيئي على المحك، وتهدد بتفكيك شبكة من الشراكات الدولية بنيت على مدى عقود.
هل ستتمكن الولايات المتحدة من تحقيق تفوقها الفضائي عبر إعادة التركيز على القمر والمريخ؟ أم أن هذا التوجه سيُضعف مكانتها العلمية والبيئية في العالم؟
الإجابة تكمن في أيدي الكونجرس، والقيادة السياسية القادمة.

تعليق واحد
رائع