
في الساعات الأولى من فجر يوم الجمعة، شنت إسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق ضد مواقع استراتيجية في إيران، تحت اسم “الأسد الصاعد”، في تصعيد هو الأكبر من نوعه منذ سنوات بين البلدين، ويُعدّ تحولاً دراماتيكياً في طبيعة التعامل مع البرنامج النووي الإيراني.
التوقيت والمكان: ضربة استباقية قبل الفجر
قبل شروق الشمس بقليل، هزت سلسلة انفجارات العاصمة الإيرانية طهران، حوالي الساعة 3:30 صباحاً بالتوقيت المحلي، لتكون بذلك بداية ما وصفته إسرائيل بـ”الرد الاستباقي الحاسم” ضد التقدم النووي الإيراني. وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على شبكات الأخبار العالمية، بما فيها شبكة سي إن إن، ألسنة اللهب والدخان تنطلق من مواقع داخل المدينة.
الشاب الإيراني البالغ من العمر 17 عامًا، والذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، وصف اللحظات الأولى قائلاً: “لم أكن أعرف ما يحدث. كان الأمر مخيفًا حقًا”.
وبعد دقائق فقط من الضربات في طهران، توالت الغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع أخرى في أنحاء البلاد، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استخدم طائراته لاستهداف “عشرات الأهداف العسكرية، بما في ذلك منشآت نووية في مناطق مختلفة من إيران.”
نطنز تحت النار: مركز التخصيب الرئيسي يتعرض للهجوم
من بين أكثر الأهداف إستراتيجية التي تم استهدافها كانت منشأة نطنز النووية، الواقعة على بعد نحو 250 كم جنوب طهران، والتي تُعتبر أحد أهم مراكز تخصيب اليورانيوم في إيران. أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة أن الموقع تعرض لهجوم، لكنها أفادت بأن مستويات الإشعاع لم تشهد أي زيادة ملحوظة.
وأشار المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، إلى أن المنشآت النووية الأخرى في إيران – مثل تلك الموجودة في أصفهان، بوشهر، وفوردو – لم تتأثر بالهجمات. ومن الجدير بالذكر أن موقع فوردو، الواقع تحت جبل، يُعتبر من الأهداف الأكثر صعوبة بسبب طبيعته الجغرافية المحمية.
ماذا قال القادة؟ تصريحات حاسمة من نتنياهو وتعهدات بالرد من طهران
في خطاب متلفز بعد بدء العملية، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تصدت “للتهديد الإيراني الوجودي”، وأن العمليات ستستمر “لأي عدد تحتاجه من الأيام” حتى يتم القضاء على الخطر النووي الإيراني.
وزعم نتنياهو أن إيران نجحت في السنوات الأخيرة في إنتاج كمية كافية من اليورانيوم المخصب لتصنيع 9 أسلحة نووية، مضيفًا أن “إيران يمكنها إنتاج سلاح نووي خلال أشهر، بل ربما أسابيع… هذا خطر واضح ومباشر على بقاء دولة إسرائيل.”
على الجانب الآخر، أكدت إيران أن برنامجها النووي سلمي تمامًا، وقال المتحدث باسم الحكومة إن “ليس لدينا خيار سوى الرد”، دون أن تحدد طبيعة أو توقيت الرد بشكل دقيق.
القتلى والمصابون: ضربة قاصمة للقيادة الإيرانية
أكدت المصادر الإسرائيلية مقتل عدد من أبرز الشخصيات العسكرية والإستخباراتية في إيران، من بينهم:
- اللواء حسين سلامي – رئيس الحرس الثوري الإيراني
- اللواء محمد باقري – رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية
- علي شمخاني – مستشار الأمن القومي الإيراني ومقرب من المرشد الأعلى
- علي حاجي زاده – قائد القوات الجوية في الحرس الثوري
هذه الخسائر البشرية تُعد ضربة قاصمة للهيكل القيادي الإيراني، وتشير إلى أن الهجوم الإسرائيلي لم يكن مجرد تدمير للمواقع، بل كان موجهًا أيضًا لإحداث فراغ استراتيجي في القيادة.
كيف قد ترد إيران؟ تحدٍ كبير أمام الانتقام
على الرغم من تصريحات التهديد من المسؤولين الإيرانيين، فإن القدرة على الرد الفعال قد تكون محدودة، خاصة بعد استهداف إسرائيل لمواقع إطلاق الصواريخ الباليستية ومخزوناتها.
أفاد الجيش الإسرائيلي بأن إيران أطلقت أكثر من 100 طائرة مسيرة مُفخخة باتجاه الأراضي الإسرائيلية، لكن الدفاعات الجوية الإسرائيلية تمكنت من اعتراض معظمها.
وقال معهد دراسة الحرب في واشنطن إنه من المحتمل أن إسرائيل نجحت في تعطيل الآلة الإيرانية للرد من خلال استهداف البنية التحتية العسكرية قبل أن تبدأ.
الموقف الأمريكي: دعم غير مباشر ورفض المشاركة المباشرة
رغم الدعم العام الذي أعرب عنه الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب لإسرائيل، أكدت إدارة ترامب أنها لم تشارك في العملية، مشيرة إلى أن إسرائيل تصرفت بشكل أحادي. وقال وزير الخارجية الأمريكي وقتها، ماركو روبيو: “تصرفات إسرائيل كانت أحادية، والولايات المتحدة لم تكن متورطة.”
لكن ترامب لم يخفِ دعمه الكامل لإسرائيل، وكتب على منصته الاجتماعية: “ما دمتُ أعتقد بوجود اتفاق، فلا أريدهم أن يدخلوا لأن ذلك سيُفسده. قد يُساعده في الواقع، ولكنه قد يُفسده أيضًا.”، في إشارة إلى الجهود الأمريكية لإبرام اتفاق نووي جديد مع إيران.
مستقبل الاتفاق النووي الإيراني: هل انتهت المفاوضات؟
كان الاتفاق النووي الإيراني المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA)، المبرم عام 2015 بين إيران والدول الكبرى، قد انسحبت منه الولايات المتحدة في 2018، عندما أعلن ترامب أن الاتفاق لا يمنع إيران من تطوير قنبلة نووية.
حاول ترامب في ولايته الثانية استئناف المفاوضات مع إيران، لكن الضربة الإسرائيلية يبدو أنها أنهت فرص التوصل إلى أي تسوية دبلوماسية مؤقتة، على الأقل في المدى المنظور.
تحليل سياسي: ما الذي يعنيه هذا الهجوم للمنطقة؟
يمثل الهجوم الإسرائيلي نقطة تحول محورية في الصراع الإيراني-الإسرائيلي، ويشير إلى:
- تصعيد عسكري مباشر بين الدولتين بعد سنوات من العمليات السرية والضربات المتبادلة عبر وكلاء.
- تحدي كبير للحرس الثوري الإيراني، الذي فقد قيادات بارزة وبنية تحتية استراتيجية.
- تغيير في موازين القوى، حيث برزت إسرائيل كفاعل عسكري قادر على شن ضربات استباقية مباشرة.
- ضعف موقف إيران الإقليمي، خاصة بعد الانقسامات الداخلية والضغوط الاقتصادية التي تواجهها.
الخلاصة: نهاية مرحلة وبداية أخرى
ما حدث في تلك الجمعة ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو بداية مرحلة جديدة من العلاقات الدولية في الشرق الأوسط، حيث تتغير الأولويات، وتتغير معها أدوات القوة والتأثير.
هل سيؤدي هذا التصعيد إلى حرب إقليمية شاملة؟ أم أنه سيكون بمثابة رسالة واضحة لإيران بضرورة التراجع عن طموحاتها النووية؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة.

تعليق واحد
موفق