
تعرضت مناطق واسعة من التراث الثقافي الإيراني لأضرار جسيمة في ظل الهجمات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة، التي طالت مواقع استراتيجية وأثرية في مدن بارزة مثل طهران وأصفهان، حيث تداخل التاريخ بالحاضر في مشهد مؤلم يعكس هشاشة الذاكرة الثقافية أمام التوترات الجيوسياسية.
وقد شملت هذه الهجمات مواقع حساسة، منها المنشآت النووية القريبة من أصفهان، المدينة التي تعد واحدة من أغنى المراكز الحضارية في إيران، فضلاً عن كونها ثالث أكبر مدن البلاد من حيث عدد السكان. ومع تصاعد التوترات، برزت تساؤلات حول مستقبل المعالم المعمارية الحديثة والقديمة التي تمثل شاهداً حياً على مراحل النهوض والتطور في تاريخ إيران.
العمارة الحديثة.. تحفة لا تُقدّر بثمن
في هذا السياق، سلط المؤرخ الفني فرشيد إمامي، الأستاذ في جامعة “رايس” في هيوستن، تكساس، الضوء على أهمية المباني الحديثة التي تعرضت للخطر. وأشار إلى أن مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، الذي استهدفته إسرائيل أثناء البث المباشر، ليس مجرد مبنى حكومي عادي، بل هو تحفة معمارية بارزة شيدها المهندس الإيراني الشهير عبد العزيز فرمانفرمايان في سبعينيات القرن الماضي.
ويضيف إمامي: “رغم أن طهران ليست مدينة قديمة كالإسماعيلية أو أصفهان، إلا أنها تضم اليوم مجموعة من أبرز أعمال العمارة الإيرانية الحديثة، التي تم تشييدها خصوصاً خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وهي تُعد شاهداً على مرحلة ذهبية من الفهم المعماري في إيران”.
الحفاظ على الذكريات.. هل سيُفقد التراث المعاصر؟
وأكد الخبير في التاريخ العمراني وجود وعي متزايد بأهمية الحفاظ على هذه المعالم، مشيراً إلى متحف طهران للفن المعاصر كمثال بارز. ويُعتبر هذا المتحف من أعظم الإنجازات المعمارية في إيران، وهو يحتضن واحدة من أكبر مجموعات الفن الحديث خارج أوروبا وأمريكا الشمالية.
وقد كان المتحف محور مذكرات مثيرة للجدل صدرت عام 2021، للكاتبة الأمريكية دونا شتاين، التي عملت أمينة لمتاحف إيرانية في سبعينيات القرن الماضي، وشاركت في تشكيل مجموعته الفنية القيّمة.
أصفهان.. نصف العالم تحت خطر الاندثار
تشكل أصفهان أحد أهم الأقطاب الثقافية والصناعية في إيران، وتضم مواقع نووية حساسة، لكنها أيضاً موطن لواحدة من أكثر الحضارات الإسلامية عظمة وإشعاعاً. وتقع المدينة عند تقاطع طرق التجارة التاريخية، ما جعلها مركزاً استراتيجياً منذ عصور بعيدة.
في نهاية الأسبوع الماضي، استهدفت ضربات أمريكية مجمع نووياً يقع على بعد 14 ميلاً شرق أصفهان، مما أسفر عن تدمير 18 مبنى على الأقل، وفقاً لصور الأقمار الصناعية التي نشرتها شبكة CNN. وبحسب “مبادرة التهديد النووي”، فإن نحو 3 آلاف عالم يعملون في الموقع النووي بأصفهان.
لكن الخبراء يؤكدون أن المدينة نفسها، ولحسن الحظ، لم تتأثر بشكل مباشر حتى الآن، كما لم ترد أنباء عن أضرار لحقت بمواقعها التراثية التاريخية الكبرى، وفقاً لما صرّح به الدكتور فرشيد إمامي.
عاصمة السلالات ومصدر التعبير الثقافي
تعتبر أصفهان عاصمة سابقة للسلالات السلجوقية والصفوية، وقد دخلت التاريخ كمدينة استثنائية، لدرجة أن الشعب الإيراني ابتكر حولها تعبيراً شعبياً خالداً: “أصفهان نصف العالم“. وهو تعبير لا يعكس فقط جمال المدينة وجاذبيتها، بل يشير إلى دورها المركزي في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية لإيران عبر العصور.
ووفقاً لمنظمة اليونسكو، فقد جعل الشاه الصفوي عباس الأول (حكم 1588 – 1629) من أصفهان عاصمة لإمبراطوريته، وأعاد توجيه طريق الحرير ليمر بها، مما منحها مكانة اقتصادية واستراتيجية استثنائية.
أما في مجال العمارة، فاشتهر السلاجقة بتصميم المساجد ذات الغرف المقبّبة الكبيرة، وأفضل مثال على ذلك هو مسجد جامع، الذي يقع في القلب التاريخي لأصفهان، وهو موقع مدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
يعود تاريخ بناء المسجد إلى عام 841 ميلادي، ويُعد أقدم مبنى محفوظ من نوعه في إيران، وقد شكل نموذجاً استخدمته العديد من الدول المجاورة في تصميم مساجدها لاحقاً في آسيا الوسطى.
الخاتمة: بين الحفاظ على الماضي وحماية المستقبل
تبقى إيران، وخاصة مدينتا طهران وأصفهان، مثالاً حياً على التنوع الحضاري والثقافي، حيث تتداخل العمارة القديمة بالحديثة، والتراث بالتجربة المعاصرة. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، تظهر الحاجة الملحة إلى حماية هذه الإرث الإنساني، ليس من أجل إيران فقط، بل من أجل الإنسانية جمعاء.
إن تدمير التراث، سواء كان تاريخياً أو حديثاً، يعني فقداناً لجزء من الذاكرة الإنسانية، ولا يمكن لنا أن نسمح بأن تتحول الحروب إلى مدمرة للحضارة قبل أن تكون مدمرة للأرواح.

تعليق واحد
رائع