
في لحظة تاريخية مشحونة بالحزن والاحتفاء، ودّع العالم أحد أبرز أعلام الأدب العالمي، الكاتب البيروفي العملاق ماريو فارغاس يوسا، الذي وافته المنية عن عمر يناهز التسعين عامًا. هذا الرحيل لم يكن مجرد فقدان شخصي لأفراد أسرته وأصدقائه المقربين فقط، بل كان حدثًا عالميًا ترك صدى عميقًا في قلوب القراء والمثقفين الذين وجدوا في أدبه مصدر إلهام ورفيقًا روحيًا عبر العقود.
كلمات الوداع من نجله ألفارو
نعى ألفارو فارغاس يوسا، النجل البكر للأديب الكبير، رحيل والده بكلمات مؤثرة تعكس الفخر والحزن معًا. قال ألفارو: “أعرف أن غيابه سيترك حزنًا عميقًا بين أفراد أسرته وأصدقائه وقرائه حول العالم، لكننا نعقد الأمل أن الجميع سيجد عزاء في كونه تمتع بحياة مديدة ومثمرة، وترك لنا أعمالًا سترافقنا طويلاً من بعده”. كانت هذه الكلمات بمثابة تعبير عن الفخر بمسيرة والده، التي امتدت لعقود وساهمت في تشكيل المشهد الثقافي العالمي.
رحل فارغاس يوسا بعد أسبوعين بالتمام من احتفاله بعيد ميلاده التاسع والثمانين، والذي احتفل به في منزله المطل على البحر في مدينة ليما، تلك المدينة التي ظلت دائمًا نقطة تعلقه رغم ترحاله المستمر وإقامته في مدن عدة، كان آخرها مدريد، حيث توطدت صداقتنا وشكلت مدخلاً لانضمامه إلى أسرة جريدة “الشرق الأوسط” منذ أكثر من ثلاث سنوات.
الفراغ الكبير في عالم الأدب
لا شك في أن غياب فارغاس يوسا سيُحدث فراغًا كبيرًا في نفوس الذين تهافتوا على أعماله ووجدوا في أدبه رفيقًا حميماً في ساعات البهجة كما في ساعات القنوط. يوم الأربعاء الماضي، وفي لحظة مليئة بالرمزية، تحدثتُ مع ألفارو لإبلاغه أن جريدة “الشرق الأوسط” نشرت في ذلك اليوم مقالة والده عن صديقه خوسيه دونوسو. طلبت منه أن ينقل إلى “دون ماريو” تحيات عطرة من سمرقند، تلك المدينة الساحرة التي قال لي مرة إنه يحلم بزيارتها بعد قراءة الرواية التي وضعها أمين معلوف عنها.
بعد قليل، ردّ المتوج بجائزة نوبل للآداب والعضو الوحيد في الأكاديمية الفرنسية الذي لم ينشر كتابًا واحدًا بلغة موليير، بقوله: “كم هو العالم بحاجة إلى مدن مثل سمرقند في أيامنا هذه!”.
الأيام الأخيرة والنزهات الخفيفة
في تواصلي الأسبوعي مع نجله البكر – وهو أيضًا كاتب – كنت أستمع إليه وهو يخبرني بأن فارغاس يوسا، منذ عودته العام الماضي إلى بيرو، بدأ يقوم بنزهات “خفيفة” في الأماكن التي ألهمته في أعماله. في إحدى السهرات، ذهب لمشاهدة عرض مسرحي مستوحى من روايته “من قتل بالومينو موليرو؟”. كما زار المدرسة العسكرية التي تابع فيها مرحلة دراسته الثانوية، والتي ألهمته رائعته “المدينة والكلاب”، تلك الرواية التي ارتقى بها إلى أولمب الآداب الإسبانية في ستينيات القرن الماضي، ورسم فيها صورة فذة عن تعقيدات مجتمع بلاده، بيرو.
لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ تردد غير مرة على المقهى الذي اختمرت على مقاعده روايته الشهيرة “محادثة في الكاتدرائية”. وكانت نزهاته الأخيرة في أجمل أحياء ليما، “الزوايا الخمس”، المشرف على البحر، حيث قضى لحظات هادئة تعيد له الذكريات والأحلام.
وصيته وحفل الوداع الخاص
أوصى يوسا بأن يوارى الثرى في جنازة خاصة جدًا وغير رسمية، تقتصر على أفراد أسرته المقربين من جهة والده. وبطريقة درامية شاءت الصدف أن غالبية مواطنيه لم يعرفوا بنبأ وفاته من نشرات الأخبار، بل من متابعتهم إحدى المباريات المهمة لكرة القدم على ألسنة المعلقين الرياضيين. وكأنه هو الذي كتب هذا المقطع الأخير من حياته، فهو الذي كان شغوفًا بالفريق الذي خسر تلك المباراة، وكان عضوًا فخريًا فيه لا يفوّت مباراة له كلما كان في ليما.
مكانة فارغاس يوسا في الأدب العالمي
كان ماريو فارغاس يوسا مزيجًا فريدًا من فيكتور هوغو وغوستاف فلوبير. وقد قيل إن أحدًا لم يكتب عن فلوبير بمثل العمق والتألق الذي فعله يوسا في أعماله عن صاحب “مدام بوفاري”. برحيله، يسدل الستار على الجيل الذهبي من كتاب أمريكا اللاتينية الذين زينوا الأدب العالمي بأجمل الدرر، أمثال غارسيا ماركيز، كارلوس فونتيس، وخوليو كورتازار.
استمرارية الإرث الأدبي
جريدة “الشرق الأوسط”، وبالاتفاق مع نجله ووكيلته الأدبية، ستواصل نشر مقالات سابقة له مرتين في الشهر، لتبقى كلماته حية بيننا. وفي الوقت نفسه، تتقدم الجريدة إلى أسرته بخالص العزاء، آملة أن تكون أعماله مصدر عزاء وإلهام دائم لكل من عرفه أو قرأ له.
رحل ماريو فارغاس يوسا، لكنه باقٍ في كلماته وأعماله التي ستظل تلهم الأجيال القادمة.
